4- امتثال وعبودية
صوت السلف • من نور الوحيين
فتوحيد الإقرار والمعرفة والشهود في قوله (الذي فطر السماوات و الأرض) ، وفي قوله (لله رب العالمين) فينزه الله عن الشريك، في الحقيقة وفي شهود العبد، يعني الله ليس له شريك في الحقيقة وإن ادعى أحد لله عز وجل شريكا فهو كاذب لان هذا ليس موافقا للحقيقة، والحقيقة أن الله واحدًا لا شريك له في ربوبيته وفي ألوهيته وفي أسمائه وصفاته، أما تحقق ذلك في شهود العبد فهو أن يشهد أن هذا الأمر هو الحق دون ما سواه، كما أنه في الحقيقة فهو يشهد هذه الحقيقة وفي استحقاق العبادة لله وحده لا شريك له، فالله يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، وهو واحد من هؤلاء العباد الله، فلا يشرك بالله أي شريك في إرادته و قصده.
وقوله (وبذلك أُمرت) يستحضر به أن الله أمره بالتوحيد ، وأنه امتثل أمره سبحانه وأطاعه وقبله بخلاف من رده وأباه، و مشكلة كفر إبليس كان في رد أمر الله وقد أمره، و المؤمن يضاد ما فعل إبليس، فإن الله عز وجل قال له (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) الأعراف12 فرد الأمر على الله ، أما المؤمن يستحضر أن الله أمره فامتثل ، ا فقال " وبذلك أمرت "، فحقق بالامتثال الخضوع والذل ، وسبق أنه في قوله (حنيفا وما أنا من المشركين) حقق كمال الحب ، فاكتمل ركني العبادة وهما كمال الحب وكمال الذل، فتضمن هذا الدعاء حقيقة العبودية .
ثم قوله (وأنا من المسلمين) فهو يدخل في زمرة المسلمين، كما في قوله (وما أنا من المشركين) براءة من الشرك، ففي قوله (وأنا من المسلمين) ولاء إلى أهل الإسلام، فهو يستحضر أنه جزء من هذه الأمة، يدخل في الأمة الواحدة ، (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) الأنبياء92 ، أمة أولها الأنبياء وأولهم محمد صلى الله عليه وسلم أرفعهم منزلة وقدرا، أفضل الخلق عند الله، وهو أول المسلمين صلى الله عليه وسلم من هذه الأمة، فهنا إعلان الاستسلام لله والانتماء للأمة المكرمة المشرَّفة ، التي اصطفاها الله على الأمم بهذا الدين ، واختص أتباع محمد صلى الله عليه وسلم بأن سمَّاهم المسلمين من قبل خلقهم وإيجادهم، وهذا من أشرف ما شرف الله به أمة الإسلام أنه جعل اسم الإسلام والمسلمين علم على هذه الأمة، مع أن من قبلهم كانوا مسلمين فعلا ودينهم الإسلام ، ولكن الإسلام لم يصر علما عليهم ، وإنما صارت لهم أسماء أخرى أعلاما على دينهم وملتهم ، مع أنها الإسلام في حقيقة الأمر، ولكن اختص الله أمة نبيه محمد بأن جعل اسم الإسلام علما لهم ، وسمَّاهم به قبل خلقهم وإيجادهم، وسمَّاهم المسلمين في القرآن العظيم (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ) الحج 78.
فقبل أن تُوجد سُميت مسلما، قبل أن تُخلق سميت مسلما، فالحمد لله أن جعلنا مسلمين، نسأله سبحانه أن يتوفانا مسلمين وأن يلحقنا بالصالحين.
