الفساد (29) الحركة النسوية في أوروبا والمنظمات النسوية في مصر (2-5)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ظهرت الحركة النسوية (الفيمينيزم) في أوروبا كرد فعلٍ على ما تعرضت له المرأة في أوروبا عبر تاريخها الطويل، الذي سيطرت فيه النظرة الدونية للمرأة على الرجل الأوروبي، فجاءت الحركة النسوية في أوروبا لترفض العالَم الذي هو مِن صنع الرجل، ولتطالب بعالمٍ جديدٍ تكون فيه الصدارة للمرأة، ويكون مِن صنعها.
ومنذ أن ظهرت هذه الحركة النسوية (الفيمينيزم) وهي تربط بين النظرة الدونية للمرأة وبين تعاليم الكنيسة التي عليها قامت هذه النظرة.
لقد ثارت المرأة في الفكر الغربي المعاصِر على النصوص والتفسيرات التي وضعتها الكنيسة، وأرجعت داعيات ورموز الفكر النسوي هذه الصورة المشوهة للمرأة إلى خضوع هذه الحضارة لفكر ذكوري أبوي نابع من العقائد والشرائع الدينية (اليهودية / المسيحية)، فسعت المرأة إلى تقديم فكرٍ نسويٍ جديدٍ وبديلٍ، ولكي يؤتي هذا الفكر ثمرته كان على المرأة أن تتخلى عن القيود (العقائد والشرائع والأعراف الدينية) وتعلن تمردها عليها حتى تكون امرأة فاعلة.
تقول (سيمون دي بوفوار) -عشيقة سارتر رائد الوجودية المعاصرة ورائدة الحركة النسوية في الغرب في النصف الأول من القرن العشرين-: "إن على المرأة أن تتخلى عن الأساطير والخرافات والعقائد التي تتخذ شكل المقدس، والتي مكنت الرجل الأبيض من اضطهاد المرأة والسيطرة عليها. إن المرأة إذا أرادت أن يكون لها وجود حقيقي كامرأة عليها أن تتخلى عن الأنوثة؛ لأنها مصدر ضعف المرأة، والزواج؛ لأنه يمثل أكبر قيد للمرأة، وأيضًا التخلي عن الأمومة!" (كتاب: "الجنس الثاني" لسيمون دي بفوار، ص 490) .
ومن هنا جاءت الدعوة إلى تغيير حياة المرأة الغربية الخاصة وأدوارها، وذلك عن طريق تغيير النظام الأسري ذاته، الذي كان يخلق نظامًا طبقيًّا ذكوريًّا يعمل على قهر المرأة، حيث تحدد الأسرة الأدوار التي يجب أن تمر عليها المرأة من أنوثة وزواج وأمومة" (الحركة النسوية: 34-35) .
وقد انعكست هذه الأفكار على العديد من النساء في الغرب في النصف الأول من القرن العشرين، حيث قررن إلغاء فكرة الزواج من أذهانهن، وأصبح من غير الضروري إنجاب أطفال؛ لأن الأمومة عائق أمام المرأة التي تريد تحقيق وجودها وكيانها، ومن هنا ذهبت (كريستين ديلفي) الداعية النسوية الماركسية إلى أن الزواج هو أداة لسيطرة الرجل على عمل المرأة وعلى الإنجاب، لهذا كان الزواج يعزز من سلطان الرجل على المرأة وقهرها جنسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا (الحركة النسوية، ص 35) .
الفكر النسوي وحق المرأة في الإجهاض وممارسة الجنس المثلي:
مِن الأفكار التي يركِّز عليها الفكر النسوي الغربي المعاصر: "حق المرأة في الإجهاض، حيث يمثِّل هذا الحق ركيزة أساسية من ركائز الفكر النسوي الذي يروج لسياسة (الإجهاض حسب الطلب) حتى إن المنظمة الوطنية النسائية الأمريكية استصدرت عددًا مِن القوانين تتعلق بحق المرأة في الإجهاض، فضلًا عن دعوة الفكر النسوي الغربي المعاصر إلى الميل الجنسي المثلي (اللواط - السحاق)" (الحركة النسوية، 35 - 36) ؛ لذا "يدعو هذا الفكر إلى أن الميل الجنسي المغاير (الرجل يميل إلى المرأة والمرأة تميل إلى الرجل) ليس دليلًا إلا على قمع الرجل للمرأة، وهذا عكس الميل الجنسي المثلي وخاصة السحاق؛ لأن المرأة عندما تختار امرأة أخرى تكون لها شريكًا لحياتها الجنسية بدلًا من الرجل، تحقق حريتها الحقيقية، فتذهب (أدريان ريتش) في مقال لها بعنوان: (الميل القهري الجنسي للآخر ووجود السحاق) إلى أن ميل المرأة للجنس الآخر (الرجل) يمثِّل قهرًا لها، وأن إنكار حب المرأة للمرأة واختيارها كشريكة ورفيقة عمر يعد خسارة فادحة للنساء من أجل التحرر" (المصدر السابق، ص 36) .
الفكر النسوي في أوروبا يعادي الدين:
اعتقد الفكر النسوي الغربي أن الرسالات السماوية تمثِّل عائقًا في مواجهة الأهداف النسوية؛ لأنها أساس الأفكار والمعتقدات التي شكَّلت وعي الشعوب والمجتمعات الأبوية الذكورية؛ لهذا نجد أن أول هدفٍ مِن أهداف النسوية هي تقويض هذه الأفكار والمعتقدات والتقاليد الأبوية الذكورية كما وردت في نصوص الكتاب المقدس (العهد القديم / الجديد) حيث تمجد هذه النصوص (الأب / الذكر) وتقلل من شأن المرأة وتجعلها في مصاف الحيوانات والأشياء غير الضرورية (الحركة النسوية، ص 28) .
ولا تتجاوز كما هو معلوم معرفة دعاة الفكر النسوي الدينية "ما هو مسطور في الكتب النصرانية والأناجيل المحرفة، إذ كل ما بين أيديهم من نظرة دونية أو تصرف غير صحيح عن المرأة هو من أفكار قسيسيهم أو مفكريهم المستندة إليها" (المصدر السابق، ص 7) .
الفكر النسوي في أوروبا يمجد الأنثى:
ينطلق الفكر النسوي من زاوية أحادية تقوم على تمجيد الأنثى، حتى يصل هذا الفكر في غلوائه إلى جعل الأنثى معبودة، أي جعلها إلهًا (المصدر السابق، ص 7) .
"لقد حاول الفكر النسوي أن يجد في تاريخ الشعوب والحضارات القديمة ارتباطًا بين الطبيعة والمرأة، حيث ساد لدى الشعوب البدائية احترام وتقدير وتقديس للطبيعة التي كانت تجلب الخير وتهب الحياة، ولما كانت الطبيعة -في نظرهم- هي التي تنجب الإنسان عن طريق المرأة، أصبحت المرأة راعية للحياة وحامية لها وداعية إلى الخير والخصب والنماء، مما أدى إلى تقديس المرأة، ومن ثم تقديس الطبيعة، فهما شيء واحد" (المصدر السابق، ص 40) .
وقد "اتسقت أفكار هذه الحركات مع المنطق السائد في الفكر الغربي، الذي لم يكن بحاجة إلى دين محدد وممارسات دينية تلزم أتباع هذا الدين بأدائها، كما أن الحرية التي أعطاها الفكر الغربي لممارسة أي عقيدة والتبشير بها قد أدَّى بالفكر النسوي للسعي إلى وضع دين نسوي وثني جديد يخالف الرسالات السماوية، التي يزعم الفكر النسوي أنها ذكورية أبوية، وأنها مسئولة عن وضع المرأة المتدني" (الفكر النسوي، ص 40) .