نعمة الحياة
الشيخ أحمد فريد • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن نعم الله -عز وجل- أكثر مِن أن تحصر، كما قال -تعالى-: ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ) (النحل:18) ، فالعباد عاجزون عن عد نعم الله -عز وجل- عليهم؛ فضلًا عن أداء شكر هذه النعم، ولذا قال بعض السلف: "حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، ونعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين"، نسأل الله أن يتوب علينا، وأن يغفر لنا.
والنعم الحسية كثيرًا ما يشعر بها العباد، كنعمة الزوجة، والمسكن الطيب، والطعام الطيب، وغير ذلك، ولكن هناك نعم قد لا يشعر العباد بها، كنعمة القرآن مثلًا، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه في آخر الزمان يرفع من السطور والصدور، ولا يبقى في الأرض منه آية، فكيف يعيش الناس بدون القرآن؟!
وكيف تكون الحياة بلا قرآن؟! والمحبون له لا يستطيعون أن يعيشوا لحظات دون سماعه أو قراءته، كذلك نعمة الكعبة إذا هدمها صاحب السويقتين من الحبشة في آخر الزمان، ولذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاستماع بالبيت قبل أن يهدم، نعوذ بالله من إدراك هذا الزمان، الذي يرفع في القرآن، وتهدم فيه الكعبة.
مِن هذه النعم التي قد لا يعرف قيمتها كثير من الناس نعمة الحياة، ونعمة العمر والوقت، وسوف أسلط الضوء على هذه النعمة؛ لعلنا نعرف قدرها، ونقوم بشكرها.
أول ذلك: أننا ما زلنا في وقت المهلة، فمهما أسرف العبد على نفسه بالمعاصي، يمكنه أن يرجع إلى ربه، كما قال -تعالى-: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر:53) ، فباب التوبة لا يزال مفتوحًا لنا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
والعبد يعرف قدر النعمة إذا حُرم منها، فمهما كان متمتعًا بالصحة لا يعرف قدر الصحة، فإذا ابتلي بمرض -نسأل الله العافية-، عرف قدر الصحة، ولا يعرف نعمة الحرية مَن لم يبتلَ بالسجن -نسأل الله العافية- أيضًا، وإنما يعرف قدرها مَن اُبتلي بالسجن -نسأل الله العافية-، فهل نعمة الحياة كذلك يعرف قدرها من حرم منها، والله -عز وجل- مِن رحمته بنا سجَّل لنا في كتابة ما يقوله مَن يحرم مِن هذه النعمة عند الموت وعندما يقف أمام النار، وعندما يقف أمام الملك الجبار، وكذلك وهو بين طبقات النيران، حتى نعرف قدر النعمة الحياة، وكيف إنها فرصة للإيمان والعمل الصالح، قال -تعالى-: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ) (المؤمنون:99-100) .
فيعرف المفرِّط عند ذلك قدر نعمة الحياة، وكيف أنها فرصة للإيمان والعمل الصالح، فهو لا يطلب الرجوع إلى الدنيا من أجل زوجته الجميلة التي كان يحبها، ولا من أجل أولاده، ولا من أجل منصبه الذي كان يشغله، ولا من أجل المال الذي جمعه وأنفق فيه زهرة شبابه، وإنما يريد الرجوع من أجل العمل الصالح، ويكون الرد عليه: ( كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (المؤمنون:100) ، و( كَلَّا ): أداة ردع في اللغة، وقوله: ( رَبِّ ارْجِعُونِ ) مجرد كلمة لا يترتب عليها شيء؛ لأن مَن خرج من الدنيا لا يعود إليها، ولكنه يُحبس في برزخ بين الدنيا والآخرة إلى يوم يبعثون.
وقال -تعالى-: ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ) (السجدة:12) ، وقيمة الإيمان أنه إيمان بالغيب؛ ولذا كانت صفة المتقين الأولى إيمانهم بالغيب، ولذا كانت صفة المتقين الأولى إيمانهم بالغيب كما قال -تعالى-: ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) (البقرة:2-3) ، فمَن أراد أن يؤجل الإيمان بالآخرة، حتى يتأكد من صدق الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، نقول له: سوف تتأكد من ذلك، ( رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا )، ولكن في وقت لن تستطيع أن تعود إلى الدنيا فتعمل صالحًا، فما فائدة هذا الإيمان؟!
ونبقى مع الآيات القرآنية التي تبيِّن نعمة الحياة، وأن مَن حُرم هذه النعمة سيتمنى لو عادت إليه مرة ثانية، حتى يجتهد في الإيمان، والعمل الصالح، يقول -صلى الله عليه وسلم- مخبرًا عن المفرطين، وكيف يكون حالهم وهم بين طبقات النيران: ( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) (فاطر:37) ، يذكرهم الله -عز وجل- أو تذكرهم الملائكة بنعمة الحياة، ونعمة العمر، ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ )، وقد أعذر الله إلى امرئ أجَّله ستين سن، أو سبعين سنة، ( وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ )، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أرسل إليهم مَن يذكرهم، قيل النذير: المنذر الداعي بدعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وقيل النذير: الشيب. وقيل النذير: المرض.
فالحياة نعمة، والعمر نعمة، بل كل لحظة من لحظات العمر نعمة، فساعات الليل والنهار التي تمر بنا نعمة، تمنن الله -عز وجل- بها، فقال -تعالى-: ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ . وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) (إبراهيم:32-34) ، فسخَّر الله -عز وجل- لنا الليل والنهار من أجل أن نعمرهما بطاعة العزيز الغفار.