نعمة الحياة
الشيخ أحمد فريد • التزكية
وقال -تعالى-: ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ) (الفرقان:62) ، فكل يوم يعيشه المؤمن فهو غنيمة× لأن المؤمن لا يزداد من الدنيا إلا خيرًا، وكل نفس مِن أنفاس عمره فهو جوهرة، يستطيع أن يشتري بها كنزًا لا يفنى لأبد الآباد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، فانظر إلى مضيع الساعات، كم يفوته من النخيل؟ وقد قال بعض الصحابة: "بلغنا أن نخل الجنة، ساقها من ذهب، وسعفها من حلل، وثمارها أبيض من اللبن، وألين من الزبد، وأحلى من العسل والشهد".
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ حَتَّى يَخْتِمَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ , بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
ومِن خطر الأنفاس كذلك أن عداد الأنفاس التي قدَّرها الله -عز وجل- لنا مغيب عنا، فلا نعرف قدر العمر، ومقدار رأس المال.
قال الحسن البصري -رحمه الله-: "المبادرة المبادرة، فإنما هي الأنفاس، لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله -عز وجل-، رحم امرءًا نظر في نفسه، ثم بكى على عدد ذنوبه، ثم قرأ: ( فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) (مريم:84) ، آخر العدد: خروج نفسك، آخر العدد: فراق أهلك، آخر العدد: دخولك في قبرك".
فقوله: ( إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) يعني الأنفاس، أي أن الله -عز وجل- قدَّر لكل واحد عددًا محددًا مِن الأنفاس لا يتجاوزه، وكلما تنفس نفسًا سُجل عليه عد تنازلي حتى يصل إلى آخر العدد؛ عند ذلك خروج النفس، وفراق الأهل، ودخول القبر.
وأخطر من ذلك أيضًا: أن آخر نفس تتنفسه تغلق به العاقبة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ ) (رواه البخاري) ، وإنما أداة حصر في اللغة، فمَن ختم له بعمل من أعمال أهل الجنة دخل الجنة، ومن ختم له بعمل من أعمال أهل النار دخل النار-والعياذ بالله-، فنحن لا نأمن مع كل نفس، أن يكون آخر الأنفاس.
كان السلف -رضي الله عنهم- أحرص الناس على أوقاتهم، قال رجل لأحد العلماء: "قف أكلمك. فقال أوقف الشمس!"، وكان أحدهم إذا جلس عنده الناس فأطالوا الجلوس يقول: "أما تريدون أن تقوموا، إن ملك الشمس يجرها لا يفتر".
وكانوا يبخلون بالوقت والنفس أن ينفق في غير طاعة الله -عز وجل- أكثر من أشد الناس بخلًا بما له، وكانوا يعدون خصال الخير ويبكون على أنفسهم إن فاتهم شيء منها؛ دخلوا على عابد مريض، فنظر إلى قدميه وبكى، وقال: "ما أغبرتا في سبيل الله"، وكان أحدهم يقول: "أعد ثلاثين خصلة من خصال الخير، ليس فيَّ شيء منها"، ودخلوا على الجنيد وكان في النزع وكان يصلي، فقالوا له: "الآن؟! فقال: الآن تطوى صحيفتي"، ودخلوا على أبي بكر النهشلي، وكان في النزع وكان صائمًا، فقالوا له: "اشرب قليلًا من الماء"، فقال: "حتى تغرب الشمس"، وبكى أحد السلف عند موته فسُئل عن سبب بكائه فقال: "أبكي أن يصوم الصائمون ولست فيهم، ويصلي المصلون ولست فيهم!".
ما كفتهم الدنيا في طاعة الله -عز وجل-، بل تمنوا لو واصلوا الطاعة بعد الموت، كان ثابت البناني يقول: "يا رب إن أذنت لأحد أن يصلي في قبره فأذن لي!"، وما كفتهم الدنيا في البكاء على أنفسهم، وتمنوا لو وجدوا مَن يبكي عنهم بعد موتهم، كان يزيد الرقاشي يبكي ويقول: "يا يزيد، مَن يبكي بعدك لك؟ مَن يترضى ربك عنك؟!".
بكى أحد السلف عند موته، فسئل عن سبب بكائه، فقال: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) (المائدة:27) ، فإذا كان الله عز وجل لا يتقبل إلا من المتقين فما أنعاه على كثيرٍ مِن العاملين.
لما نزل الموت بمحمد بن المنكدر أخذ يبكي بكاءً شديدًا، فأحضروا له أبا حازم الزاهد، فسأله عن سبب بكائه، فقال: "سمعت الله -عز وجل- يقول: ( وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) (الزمر:47) ، فأخاف أن يبدو لي مِن الله ما لم أكن أحتسب! فأخذ أبو حازم يبكي معه، فقالوا له: أتينا بك من أجل تخفف عنه فزدت في بكائه، فأخبرهم بما قال". وقرئ على الإمام أحمد في مرض الوفاة أن طاووسًا كان يكره الأنين، فما أنّ حتى مات.
إن كنت تنوح يا حمام البان للبين فأين شاهد الأحزان؟
أجفانك للدموع أم أجـفـاني لا يـقبل مـدعٍ بـلا بـرهـانٍ
وإنما ينطبق علينا قول القائل:
يا مَن إذا تشبه بالصالحين فهو عنهم متباعد.
وإذا تشبه بالمذنبين فحالة وحالهم واحد.
يا مَن يسمع ما يلين الجوامد، وطرفه جامد، وقلبه أقسى مِن الجلامد.
إلى متى تدفع التقوى عن قلبك؟ وهل ينفع الطرق في حديدٍ باردٍ؟!