حوار مجلة الفرقان مع الشيخ مصطفى دياب (عضو مجلس الشورى للدعوة السلفية، وأحد المتخصصين في طرق التعليم وعلم النفس التربوي) حول العام الدراسي الجديد (1)
صوت السلف • شبابنا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد ؛
فالشباب محط آمال كل أمة مِن أمم الأرض؛ سواء كانت مسلمة أم غير مسلمة، متطورة أم غير متطورة، قديمة أم حديثة؛ ولذلك فإن كل أمة تضع في أولويات اهتماماتها: العناية بالشباب، والتركيز على كل ما مِن شأنه إصلاحهم والاستفادة مِن قدراتهم، ولا شك أن الحديث عن الشباب من الأهمية بمكان، ولا سيما في هذا الزمن الذي كثرت فيه المغريات بطرائقها ووسائلها وأشكالها المختلفة، وتعددت فيه الملهيات بفنونها وقنواتها، ومجالاتها المتنوعة؛ لذلك التقت "الفرقان" مع الشيخ "مصطفى دياب" (عضو مجلس شورى الدعوة السلفية، وأحد المتخصصين في البرامج وطرق التعليم، وعلم النفس التربوي) في هذا اللقاء، والحديث عن واقع الشباب والتحديات التي تواجههم.
1- كيف تقيِّمون واقع الشباب اليوم؟
أرى أن الشباب اليوم منهم المحب لدينه وإسلامه، المقبل على طاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، الواضح الرؤية في أمر دينه ودنياه؛ فهو يعتز بدينه، ويريد أن يتعلمه ويعمل به، ويتمسك بما يتعلم، وهذا في هذا الزمان شاب متميز وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقابض على الجمر، كما في قوله الشريف -صلى الله عليه وسلم-: ( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ، كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
ومِن تميّزه بشَّره النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنه تحت ظل عرش الرحمن، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أَخْفَى حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) (متفق عليه) ، فذكر -صلى الله عليه وسلم-: ( وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ ).
بل والأكثر من ذلك أن الله يباهي بهذا النمط مِن الشباب، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَ لَهُ صَبْوَةٌ ) (رواه أحمد وأبو يعلى، وصححه الألباني) ، فهنيئًا لهذا الصنف من الشباب، ثبتهم الله وجعل شباب المسلمين منهم.
ومنهم المحبط والمدمر الذي لا يهتم بأمر دينه ولا ديناه، بل يرى أن الحياة لا فائدة منها، وليس عنده أمل في النجاح في الدنيا أو النجاة في الآخرة، ومع ذلك يزداد بعدًا عن طريق الله -سبحانه وتعالى-، ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ) (طه:124-126) ، فهو ليس له رؤية واضحة ولا أهداف دينية أو دنيوية، فهو يتخبط في المعاصي والذنوب من باب إلى باب، ويقصِّر في الفراض والواجبات، فنسأل الله لهم العفو والعافية، والهداية إلى الطريق القويم.
ومنهم الذي لا يبالي، فهو يعيش في الحياة كما تعيش سائر الكائنات بلا هدف ولا هوية؛ فتارة تجده في العبادة، وتارة أخرى تجده في الانحراف والضياع؛ يعيش للذة الدنيا، أيام يقضيها ويدَّعي أنه يعيش متعة الشباب! ولم يعلم المسكين أن المتعة واللذة الحقيقية في ركعة أو سجدة أو آية يقرؤها أو دعوة في جوف الليل أو عمل خير يقوم به، أو قربة يتقرب بها إلى الله -عز وجل-.
إنه لم يسمع قول عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، ولم يعلم بهمته العالية وحرصه على طاعة الله وعبادته والتقرب إليه، قال -رضي الله عنه-: جَمَعْتُ الْقُرْآنَ فَقَرَأْتُهُ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَطُولَ عَلَيْكَ الزَّمَانُ، وَأَنْ تَمَلَّ، فَاقْرَأْهُ فِي شَهْرٍ ). فَقُلْتُ: دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتِي وَشَبَابِي، قَالَ: ( فَاقْرَأْهُ فِي عَشْرَةٍ ) قُلْتُ: دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتِي وَشَبَابِي، قَالَ: ( فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ ) قُلْتُ: دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتِي وَشَبَابِي، فَأَبَى. (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
فهذه هي المتعة الحقيقية، واللذة الباقية، هداهم الله إلى سواء السبيل.
2- لو أردنا رصد لأهم المشكلات التي يواجهها الشباب اليوم، فماذا تقول؟
أقول: المشكلات أصبحت تتمركز حول محورين رئيسين:
الأول: الشبهات.
والثاني: الشهوات.
أولًا: الشبهات:
بعض الشباب لأنه لم يتعلم العلم الشرعي ولم يتعرف على أصول الدين، ولم يدرس شيئًا عن القضايا الفكرية مِن منظور سلفي؛ فإنه يقع فريسة للجماعات الفكرية المنحرفة: كالدواعش والتكفيريين، ونحوهم.
وبعض الشباب يكون عنده حب للدين ونصرته، فيتعرض للمواقع التي يتبناها الملحدون، وليس عنده بناء علمي عقدي قوي؛ فيتأثر بالشبهات التي يلقونها عليه، فنقول لهذا الصنف: تعلم أولًا ثم ادخل وناضل، وانصر دينك.
وبعض الشباب كذلك يسمع للمستشرقين الجدد "ممَن هم مِن جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا"، الذين يطعنون في الدين، ويشككون في أصوله وثوابته، ويحاولون التشكيك في الكتاب والسنة ومَن نقلوهما إلينا؛ فيطعنون في الصحابة الكرام كأبي هريرة -رضي الله عنه- أو يطعنون في الكتب الصحاح: كصحيح البخاري!
وعلاج ذلك: أن يقبِل الشباب على تعلم العلم الشرعي من الكتاب والسنة أولًا قبل أن يستمعوا لأمثال هؤلاء، وإلا فإن تركهم لهؤلاء وعدم الإنصات إليهم أولى؛ حتى لا يعرضوا أنفسهم للفتنة.
ثانيًا: الشهوات: