صفات عباد الرحمن (5) الخوف من الله
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الإشارة إلى الشاهد مِن الآيات على الصفة: قوله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا . إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ) (الفرقان:65-66) .
قال القرطبي -رحمه الله-: "أي هم مع طاعتهم مشفقون خائفون وجلون مِن عذاب الله" (تفسير القرطبي) .
- هذه صفة كل مؤمن مخلص يجتهد في طاعه الله، وفى ذات الوقت يخشى عذاب الله وعدم القبول: قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) (المؤمنون:60-61) ، وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله قول الله: ( وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ): أَهُوَ الرَّجُلُ يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ؟ قال: ( لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لا يُقْبَلَ مِنْهُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) . وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إحسانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا".
- مدخل للعناصر التالية: الإشارة الى أن ذلك هو أحد نوعي الخوف من الله، تمهيدًا للكلام عن أنواع الخوف وثمراته، والأسباب الجالبة له.
(1) أنواع الخوف من الله:
الخوف من الله يكون على نوعين:
أحدهما: الخوف من مقام الله -عز وجل-.
والثاني: الخوف من عذاب الله.
أولًا: الخوف من مقام الله:
- هو الخوف من مقامه -تعالى- على عباده بالعلم والاطلاع، والسلطان والقدرة والتقدير، وجميع المعاني التي تشتمل عليها أسماؤه وصفاته: قال: ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ) (آل عمران:28) .
- كلما زادت معرفة العبد بربه زاد خوفه، وظهر ذلك على جوارحه وعمله: قال -تعالى-: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (فاطر:28) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: ( اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ ) قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: ( إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي )، فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ: ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) (النساء:41) ، رَفَعْتُ رَأْسِي، أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ. (متفق عليه) ، وعن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي بن كعب -رضي الله عنه-: (إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ) (البينة:1) ، قَالَ: وَسَمَّانِي؟ قَالَ: ( نَعَمْ ) فَبَكَى. (متفق عليه) .
ثانيًا: الخوف من عذاب الله:
- هو الخوف من عقابه ووعيده -سبحانه- للمخالفين لأمره ونهيه: ( لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ) (الزمر:16) ، ( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) (مريم:71-72) .
- الصالحون يجمعونه بالأولى فيزدادون خوفًا على خوفهم: قال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا )، قالَ: فَغَطَّى أصْحَابُ رَسولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وُجُوهَهُمْ لهمْ خَنِينٌ) (متفق عليه) ، وقرأ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ . مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ . يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا . وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا . فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) (الطور:7-11) ، فبكى ومرض في بيته حتى عاده الناس، وكان يردد كثيرًا: "لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئًا، لَيْتَنِي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا" (أخرجه ابن ابي شيبة في مصنفه، والبيهقي في الشعب) ، وتقرأ أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في صلاتها: ( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ . قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ . فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ) (الطور:25-27) ، فتبكي وتظل ترددها.
(2) منِ ثمرات الخوف من الله:
- الخوف من الله يبعث على العمل الصالح والإخلاص فيه: ( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا . إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ) (الإنسان:9-10) .
- الخوف من الله يزجر عن الشهوات والمعاصي: قال أبو عثمان الهندي -رحمه الله-: "صِدْقُ الْخَوْفِ: هُوَ الْوَرَعُ عَنِ الْآثَامِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا" (مدارج السالكين، 1/510) ، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( ... وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ... ) (متفق عليه) .
- الخوف من الله في الدنيا أمان يوم القيامة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَقُولُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلَا أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، إِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (رواه ابن حبان، وقال الألباني: حسن صحيح) .