6- اللهم أنت ربي وأنا عبدك
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم-، أما بعد،
يقول النبي - صلى الله عليه وسلم-: ) وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله لي إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك واليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك) .
تكلمنا في المقالات السابقة عن الجملة الأولى (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفا مسلما، وما أنا من المشركين) ، والثانية (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) .
ونستكمل اليوم كلامنا عن الجملة الثالثة (اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت) حيث يشهد العبد فيها ملك الله عز وجل وألوهيته، ثم أتبعها النبي - صلى الله عليه وسلم- بقوله (أنت ربي وأنا عبدك) ففيها شهود الألوهية بعد شهود الملك والربوبية، فجمع أنواع التوحيد، ثم تجد هذه الأنواع تتكرر في أجزاء الدعاء، واحدة تلو الأخرى، فيعود ليشهد كل نوع بطريقة أخرى ، وتكرار هذه الحقائق الإيمانية لكي تستقر قضية التوحيد في النفس، فمعاني الإيمان تتضح أكثر وأكثر مع كل كلمة من كلمات الأدعية النبوية.
ونجد الثناء على الله تعالى باسم (الرب) مضافا إلى ضمير المتكلم المفرد، حيث لم يقل أنت ربنا بل قال أنت ربي، فهذا له مذاق خاص وجميل في استشعار الإصلاح الخاص، فمعنى الرب: المصلح شأن غيره، كما في الحديث (قال هل لك عنده من نعمة تربُها ؟) (رواه مسلم) يعني: تقوم عليها وتصلحها، فإذا قال العبد (اللهم أنت ربي) يستشعر فيها أن الله عز وجل هو الذي يدبر أمره، والله رب العالم كله، ولكن هناك ربوبية خاصة لعبده المؤمن، يصلحه إصلاحا غير الذي أصلح به شأن الآخرين، أصلح للآخرين شأن دنياهم وشأن حياتهم وأصلح للمؤمن كل أمره - دينه ودنياه-، فهو يتوسل إلى الله عز وجل بأنه عبده الذي يحتاج إليه، فهو يفتقر إلى الله عز وجل و يتوسل إليه بأعظم عمل صالح يعمله عبد، وهو العبودية له سبحانه.
هذا التوسل إلى الله عز وجل بالعمل الصالح، والتوسل إليه بالملك والألوهية والربوبية، كأن العبد يقول "أنا فقير إليك بكلي، وأتوسل إليك بكل ذرَّاتي، فتول أمري وإصلاحي".
وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم-: (ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) ما يوضح ذلك، ف إن وقوف القلب ذليلا منكسرًا بين يدي ربه من أعظم أسباب أن يُجبر وأن يعطى ما يزيل نقصه وكسرته، وأعظم أسباب محبته لربه، لأن الذل والحب قرينان في العبودية فإذا انكسر الإنسان لله أحبه، وإذا أحبه ذل لربه وخضع له، وهذا الذل يحدث للعبد من عدة جهات كلها مطلوبة:
أولا: ذل الفقر والحاجة، فالله هو الرب الغني الحميد ، والعبد مربوب فقير بمقتضى كونه مخلوقا، أي أن العبد فقير ليس بيده من وجوده شيء، فقير في نبض قلبه وجريان الدم في عروقه، فقير في سمعه وفي بصره وفي مخه وفي كل جزء من أجزائه وفي كل شأن من شؤونه، (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) (فاطر:15)، هذه الحقيقة يشترك فيها المؤمن والكافر، ولكن يشهدها المؤمن فحسب، فيحصل له بذلك ذل الفقر والحاجة إلى الله سبحانه إذا شهد ذلك، فهذا النوع الأول من أنواع الذل إذا شهده العبد فإنه ينكسر لله عز وجل.
ثانيا: ذل العبادة، تذلل العبد فعليا بالعبادة، كونه يمارس العبادة، كونه يركع و يسجد و يقف، فهذا ذل يحدث به للإنسان الانكسار، كذلك الهيئات التي تكون للإنسان في الصلاة يحصل بها أنواع عظيمة من الحب لله عز وجل، هيئته نفسها تقربه إلى الله كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم- : (أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد) (رواه مسلم)، والركوع لله سبحانه وتعالى (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) ( الحج : 77 )، هذا افتقار إلى الألوهية، لأن الإنسان محتاج إلى أن يتعبد وينكسر لله، وإن لم ينكسر ويذل لله ذل لغيره لأنه فُطر على كونه عبدا، فأكثر الخلق يعبدون غير الله، فلماذا يذلون لغير الله من منصب وجاه وكبير ورئيس؟ يحصل هذا لأن العباد فطروا على أن يكونوا عبيدا محتاجين إلى التأله وتعلق القلب بإله، فنسأل الله تعالى ألا يذلنا لغيره.
فالأول ذل الفقر والحاجة، ذل إلى الربوبية، والثاني ذل العبادة الذي يتحقق للعبد بقوله (إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) فهو يتوجه إلى الله بأعماله وبقوله (أنت ربي وأنا عبدك) ، فإن العبادة و هيئات القيام والركوع والسجود - بخاصة- تجلب للعبد ذلا وانكسارا لا يحصل للعبد بغيرها، ولذلك لا يمكن أن تتحقق عبودية أحد بدون الصلاة، فالذين يقولون: "الصلاة وسيلة لا غاية"، أناس كفرة والعياذ بالله.
ثالثا: ذل الابتلاء والمحنة التي لا يملك العبد لها دفعا إلا بالله، ولا يجد قوة لدفع الضرر عن نفسه وأهله ولا تحويله إلا أن يكشفه الله ويحوله، وذلك يحصل للإنسان أثناء المحن وأثناء الألم وأثناء المرض والتعب، ويتعجب الإنسان فعلا إذا أصابه ابتلاء فيظل منكسرا ذليلا فيُفتح له أبواب من الخير فيحمد الله عز وجل على أن قدّر هذا المرض أو هذا الألم أو الابتلاء، لأنه من خلاله وصل إلى نوع من الذل والانكسار. أما الرخاء الدائم يجعل الإنسان مترفا، ويشعره أنه ليس محتاجا والعياذ بالله، وهو محتاج تمام الاحتياج، كما قال عز وجل (وأترفناهم في الحياة الدنيا) (المؤمنون:33).
