شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

فوائد التوحيد والعقيدة الصحيحة

الشيخ أحمد فريد • التزكية

وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ ... ) إلى آخره، فمعناه: أن المذنبين مِن المؤمنين يميتهم الله -عز وجل- إماتة بعد أن يعذبهم المدة التي أرادها الله -تعالى-، وهذه الإماتة إماتة حقيقية، يذهب معها الإحساس ويكون عذابهم على قدر ذنوبهم، ثم يميتهم، ثم يكونون محبوسين في النار، من غير إحساس المدة التي قدرها الله -تعالى-، ثم يخرجون من النار موتى قد صاروا فحمًا، فيحملون ضبائر كما تحمل الأمتعة، ويلقون على أنهار الجنة، فيحيون وينبتون نبات الحبة في حميل السيل، في سرعة نباتها وضعفها، فتخرج لضعفها صفراء ملتوية، ثم تشتد قوتهم بعد ذلك، ويصيرون إلى منازلهم، وتكمل أحوالهم، فهذا هو الظاهر من لفظ الحديث ومعناه" (شرح النووي على صحيح مسلم) .

5- التوحيد هو من أعظم أسباب المغفرة، ولو وضعت منه ذرة على جبال السيئات لنسفتها نسفًا، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء ) (النساء:48) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه: ( يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: هَلْ تُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ فَيَقُولُ: لَا، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَظَلَمَتْكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا، ثُمَّ يَقُولُ: أَلَكَ عُذْرٌ، أَلَكَ حَسَنَةٌ؟ فَيُهَابُ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَاتٍ، وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ لَهُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ، مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ، وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) ، قال العلماء: "هذا الرجل قام بالتوحيد حق القيام، ولكنه وقع في ذنوب دون الشرك، فنجا ببركة التوحيد.

6- التوحيد هو أعظم سبب لتفريج الكربات في الدنيا والآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

7- التوحيد شرط لقبول الأعمال الصالحة وانتفاع العبد بها في الآخرة: قال الله -تعالى-: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (النحل:97) ، وقال -تعالى-: ( وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ) (الإسراء:19) .

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: ( لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) (رواه مسلم) .

8- إذا عمل العبد أعمالًا صالحة وهو على الكفر والشرك، ثم تاب وأناب وحقق التوحيد، فإنه ينتفع بهذه الأعمال الصالحة، ويعود إليه ثوابها، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لحكيم ابن حزام لما سأله عن أعماله الصالحة قبل أن يسلم: ( أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ ) (رواه مسلم) ، أي: أنه يرجع إليه ثواب عمله قبل الإسلام، ومنع ثوابها في الآخرة بسبب فقده لشرط التوحيد.

9- التوحيد أعظم أسباب الأمان في الدنيا والآخرة: قال -تعالى- حاكيًا عن خليلة إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام-: ( وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) (الأنعام:81-82) ، وقد ثقل ذلك على الصحابة الكرام وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )، فبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الظلم المراد به في هذه الآية ليس ظلم النفس، وإنما هو أظلم الظلم، وهو الشرك بالله -عز وجل-.

فمهما سلم العبد من الشرك بالله، وأخلص توحيده لله -عز وجل-، كان له من الأمن والاهتداء بحسبه، وهذا الأمن ظاهر في المجتمعات المسلمة، ومفقود كله -أو جله- في المجتمعات الكافرة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية