الفساد (30) الحركة النسوية في أوروبا والمنظمات النسوية في مصر (3-5)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتعد منظمات المجتمع المدني العربية والإسلامية التي تتفاعل مع أطروحات الحركة النسوية في أوروبا أهم آليات الحركة النسوية في أوروبا للتوغل داخل المجتمعات العربية والإسلامية، وقد قامت هذه المنظمات بأدوارها وفق منهجية نفذتها ناشطات مِن الحركة النسوية طبقًا لمقررات المؤتمرات الدولية، خاصة مؤتمر القاهرة العالمي للسكان عام 1994م، ومؤتمر بكين للسكان عام 1995 م، والمؤتمرات المتابعة لتنفيذ هذه القرارات والتوصيات، مع تقديم التمويل الأجنبي اللازم لاستمرارية هذه الجهود وتوسعها.
وجاءت بدايات المنظمات النسوية في المجتمعات العربية من خلال ناشطات اعتنقن المذهب النسوي أيديولوجيًّا، من أشهرهن في مصر: (د. نوال السعداوي)، إلى جانب أنشطة نسوية كانت تقوم بها بعض الجمعيات الخيرية على استحياء نتيجة تعارضها مع ثقافة المجتمع المصري وقيمه، لكن بعد مؤتمر القاهرة للسكان أخذت المنظمات في الانتشار بصورة ملموسة وملفتة، أكثرها غير مسجل رسميًّا؛ تجنبًا للمراقبة والمساءلة حول التمويل الأجنبي الذي يتم غالبًا بعيدًا عن أعين الحكومة، خاصة بعد أن أُسند لهذه المنظمات النسوية غير الحكومية مهام تنفيذ ومتابعة تطبيق مقررات مؤتمرات المرأة الدولية.
وقد عملت هذه المنظمات بكفاءة عالية في العقدين الأخيرين، خاصة مع تزايد دعم المؤسسات الدولية لها، حيث تعد تلك المنظمات تقارير عن الجهود التي تقدمها، وتقوم برصد التغييرات التي تحدث في المجتمع تمشيًا مع سياسة الحركة النسوية، وترفع ذلك دوريًّا إلى لجنة المرأة بالأمم المتحدة الداعمة لتنفيذ مقررات مؤتمر بكين.
نهج المنظمات النسوية:
تقسم ناشطات الحركة النسوية المجتمع إلى مناطق، حيث يخصص لكل منطقة نشاط إحدى المنظمات التي أمكن استمالتها لنشر الفكر النسوي، مع تقسيم نساء المجتمع إلى شرائح، لكل شريحة منها برامج للعمل توافق ثقافتها وطبيعتها، حتى يسهل صياغة عقولها وفق الأجندة النسوية.
ولما كان العديد من الجمعيات غير الحكومية التي تقوم بأنشطة متعددة تقليدية تفتقر إلى التطوع فيها أو تمويلها؛ لذا تعمل الحركة النسوية على إحداث تغيير في أنشطتها وتحويل خطابها إلى الفكر النسوي، ويتم ذلك غالبًا عن طريق توفير الدعم المالي للجمعية، أو لبعض عامليها، أو اختيار شخصية من أعضاء الجمعية أو من أبناء المنطقة التي بها الجمعية يتم تدريبه وتجنيده لممارسة ما يكلف به من مهام، مع توفير الحوافز الإيجابية لاستمرار ولاءه، ومِن هنا تتحرك الجمعية داخل المجتمع ليتم توجيهه مِن قِبَل قلة مسيطرة تعمل وفق أجندات غربية.
ومن اتحاد هذه الجمعيات: تتكون شبكة عمل لتحقيق برنامج فعَّال يمثِّل ضغطًا على الحكومة والجهات الرسمية مِن خلال تقديم مطالب في ظاهرها أنها مطلب نابعة داخليًّا من المجتمع، وفي حقيقتها أنها مطالب خارجية تقدم بصورة غير مباشرة، ويقوي ذلك استقطاب قادة للرأي وشخصيات مشهورة لإظهار التضامن مع هذه الأجندة النسوية، وبالتالي: استثمار هذا التضامن لاستمالة الجماهير للأفكار النسوية في خفة ونعومة (راجع في ذلك فصل: "المجتمع المصري بين الحركة النسوية والمنظمات غير الحكومية"، للهيثم زعفران من كتاب: (الحركة النسوية) - كتاب البيان - ط. أولى 1427 هـ - 2006 م، ص 62 - 65) .
ولتيسير التمويل الخفي بعيدًا عن رقابة الحكومة يقوم البعض بإنشاء شركات (غير هادفة للربح) من خلال الشهر العقاري، وبالتالي يمكن وضع أي أموال خارجية مباشرة في الحساب البنكي لصاحب هذه الشركة دون أي رقابة حكومية، وهذا هو أحد الأبواب -إلى جانب أبواب أخرى- للثراء المفاجئ لناشطات ولناشطين في مجال العمل النسوي داخل مصر وخارجها، وما يتضمنه ذلك ويتبعه من فساد مالي وتجاوزات يغض المانح الأجنبي الطرف عنها؛ لأنه يتوصل من ورائها إلى نتائج مطلوبة بدون خسائر بشرية أو دبلوماسية (راجع المصدر السابق، ص 67 - 68) .
دبلوماسية المؤتمرات والندوات:
تُعقد المنظمات النسوية مؤتمرات تتميز بضخامة التجهيز والإعداد وكثرة الحاضرين، وتلقى دعمًا كبيرًا مِن المنظمات الغربية التي تسعى لاختراق المجتمع من خلال المرأة، وعادة يشارك في دعمها رجال أعمال ومسئولون حكوميون؛ لتكون معبرًا لدائرة صنع القرار التي مِن شأنها اتخاذ خطوات إيجابية لتنفيذ ما تسفر عنه هذه المؤتمرات من قرارات وتوصيات.
ومن أشهر أمثلة ذلك: ما حدث مع اتفاقية (السيداو) عام 1981م والمعروفة باتفاقية: (القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة)، والتي نصت على اتخاذ الدول لتدابير تمنح المرأة المساواة مع الرجل في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية والثقافية، ومنها: إلزام الدولة بتحديد سن أدنى للزواج، ومنح المرأة حق عقد الزواج وفسخه، وحرية المرأة في اتخاذ القرار بشأن إنجاب الأطفال، ومنحها حق الوصاية والولاية والتبني، ومنح المرأة الحق في منح جنسيتها لأطفالها من زوجها الأجنبي، وقد وقَّعت مصر على هذه الاتفاقية، لكنها تحفظت على بنودٍ منها على اعتبار أن للشريعة الإسلامية أحكامها الخاصة في ذلك، وأبدت الاستعداد لتطبيق ما لا يتعارض مع الشريعة.