صفات عباد الرحمن (6) الاعتدال في الإنفاق
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الإشارة إلى شاهد الصفة من الآيات: قوله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ) (الفرقان:67) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها؛ لا هذا ولا هذا" (تفسير ابن كثير) .
- لما برأ الله عباده الصالحين من الإسراف والتقطير، كانت هذه صفة ممدوحة (الوسطية والاعتدال): ( وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ) (الإسراء:29) ، ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) (البقرة:143) .
(1) ذم الإسراف والتبذير:
- الإسراف يعم المال والمأكل والملبس والمتاع: قال الراغب الأصفهاني: "هو تجاوز الحد في كل فعل يفعله الانسان، وإن كان ذلك في الانفاق أشهر" (المفردات في غريب القرآن، ص 407) .
قلتُ: مِن صوره التي يقع فيها الناس كثيرًا (الإسراف في: الماء والكهرباء ونحوه - الولائم - تجهيزات الزواج وحفلاته - استبدال الهواتف والأثاثات والسيارات دون حاجة - شراء الكلاب والطيور بمبالغ كبيرة - مواقع إلكترونية للأرقام المميزة للهواتف، والسيارات، ونحوها بمبالغ خيالية! - صفقات لاعبي الكرة بأرقام قياسية - حفلة الكريسماس في دولة خليجية تعدل ميزانية دولة إفريقية!) ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.
- كم من فقراء يموتون من الجوع؟! وكم من مشاريع خيرية ودعوية وغيرها تعطلت؛ لعدم مَن ينفق عليها؟! وكم... وكم... ! ( أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ . لِيَوْمٍ عَظِيمٍ . يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (المطففين:4-6) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
- لذا حرَّم الله الإسراف؛ لما له مِن أضرار على الإنسان في الدنيا والآخرة: قال -تعالى-: ( وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ) (الإسراء:29) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ) (متفق عليه) .
- وشبَّه الله المسرفين بالشياطين تنفيرًا من فعلهم: قال -تعالى-: ( وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ) (الإسراء:26-27) .
- وجعل المسرفين المبذرين من أبغض الناس إليه: قال -تعالى-: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) (الأعراف:31) .
- وجعل عليهم أحكامًا استثنائية بسبب إسرافهم: ( وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ) (النساء:5) .
(2) الفرق بين الإسراف والسخاء؟
- الشرع لا يمنعك من الاستمتاع بمالك بحقه: لما قال -تعالى-: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) (الأعراف:32) ، نبَّه قبلها: ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) (الأعراف:31) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ ) (رواه البخاري معلقًا، ورواه أحمد والنسائي موصولًا، وحسنه الألباني) ، وقال مجاهد: "لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مدًّا في غير حق كان مبذرًا" (تفسير ابن كثير، 3/ 36) .
- السلف خير مثال في النفقة والاعتدال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لابنه عاصم: "يا بني كُل في نصف بطنك، ولا تطرح ثوبًا حتى تستخلقه، ولا تكن مِن قوم يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم" (تفسير القرطبي 13/ 74) .
وقال لجابر بن عبد الله وقد لقيه يحمل بيده لفافة: ما هذا؟ قال: لحم، اشتهيته فاشتريته. فقال: أوكلما اشتهيت اشتريت؟! ألا تخشى أن تكون من أهل هذه الآية: ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا ) (الأحقاف:20) ".
(3) ذم البخل والتقطير:
- كفى بالبخل ذمًّا أن ينفي الله عن صاحبه صفة من صفات عباد الرحمن: ( وَلَمْ يَقْتُرُوا ).
- البخل صفة ذميمة يكرهها كل الناس، ويؤدي إلى أسوأ الأخلاق (1) : قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( شرُّ مَا في الرجل شُحٌّ هالِعٌ، وجُبْنٌ خَالِعٌ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَجْتَمِعُ شُحٌّ وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني). "لأن البخيل ضعيف اليقين بـ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) (سبأ:39) ، وبـ( اللهُمَّ، أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ) (متفق عليه) ".