شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفات عباد الرحمن (6) الاعتدال في الإنفاق

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- البخيل تعيس مكروب الصدر في الدنيا، معاقب معذب في الآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَتْ أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ، حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا البَخِيلُ فَلاَ يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلاَ تَتَّسِعُ ) (متفق عليه) .

وقال -تعالى-: ( لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (آل عمران:180) .

- كما يحجر على المسرف، فإنه يُتصرف في مال البخيل بغير إذنه عند الضرورة: عن هند بن عتبة -رضي الله عنها- قالت: يَا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أبا سُفيانَ رَجُلٌ شَحيحٌ، لا يُعْطِينِي مِن النَّفَقَةِ ما يَكفينِي ويَكْفِي بَنِيَّ، إلَّا ما أَخَذْتُ مِنْ مالِهِ بغيرِ عِلْمِهِ، فهلْ عَلَيَّ في ذلكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فقالَ: ( خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ ) (متفق عليه) .

(4) الفرق بين البخل والاقتصاد؟

- الاقتصاد هو الزهد والتقلل من الدنيا طلبًا للآخرة من خلال البذل والإنفاق في سبيل الله: عيش النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة، والسلف الصالح الخشن، مع عظيم إنفاقهم في وجوه الخير والبر.

بعض الأمثلة على ذلك:

قال قراد بن نوح: "رَأَى عَلَيَّ شُعْبَةُ قَمِيصًا، فَقَالَ لِي: "بِكَمِ اشْتَرَيْتَ هَذَا؟" قُلْتُ: بِثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَ لِي: "وَيْحَكَ، أَمَا تَتَّقِي اللَّهَ، تَلْبَسُ قَمِيصًا بِثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ، أَلا اشْتَرَيْتَ قَمِيصًا بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ وَتَصَدَّقْتَ بِأَرْبَعَةٍ فَكَانَ خَيْرًا لَكَ"، قُلْتُ: يَا أَبَا بِسْطَامٍ، إِنَّا مَعَ قَوْمٍ نَتَجَمَّلُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ شُعْبَةُ: "أَيْشِ تَتَجَمَّلُ؟" (مسند ابن الجعد) .

(5) خير الأمور الوسط:

- الاعتدال صفة عباد الرحمن: قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا )، وقال: ( وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ).

- منهج الاعتدال في مثال: عن أنس -رضي الله عنه- قال: أتى رجل من بنى تميم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذُو مَالٍ كَثِيرٍ وَذُو أَهْلٍ وَوَلَدٍ وَحَاضِرَةٍ فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ أُنْفِقُ وَكَيْفَ أَصْنَعُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِكَ فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ، وَتَصِلُ أَقْرِبَاءَكَ، وَتَعْرِفُ حَقَّ السَّائِلِ وَالْجَارِ وَالْمِسْكِينِ ) فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْلِلْ لِي؟ قَالَ: فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، وَالْمِسْكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ، وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) (أخرجه الإمام أحمد في مسنده) .

اللهم ارزقنا حسن التدبير في الأمور كلها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مِن ذم البخل أن يتندر الناس بأحوال البخلاء، حتى صنف العلماء في ذلك مِن قصصهم وحكايتهم، ذكر الجاحظ في كتاب: "البخلاء" قصة الشيخ الخراساني الذي كان يأكل في بعض المواضع، إذ مرَّ به رجل فسلم عليه فرد الشيخ السلام، ثم قال: هلمَّ عافاك الله، فتوجه الرجل نحوه، فلما رآه الشيخ مقبلًا قال له: مكانك، فإن العجلة من عمل الشيطان، فوقف الرجل، فقال له الشيخ الخراساني: ماذا تريد؟ قال الرجل: أريد أن أتغدى. قال الشيخ: ويحك! لو ظننت أنك هكذا أحمق ما رددت عليك السلام، الأمر هو أن أقول أنا: هلم، فتجيب أنت: هنيئًا، فيكون كلام بكلام، فأما كلام بفعال، وقول بأكل؛ فهذا ليس من الإنصاف!".

الصفحة السابقة