مواقف من التاريخ
الشيخ ياسر برهامي • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن دراسة التاريخ -خاصة سيرة الأنبياء- ضرورة في معرفة سنن الله الشرعية والكونية التي لا تبديل لها، ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) (فاطر:43) ، وهذا مِن أهم ما تُعرف به السياسة الشرعية مِن السياسة الدنيوية عديمة المبادئ التي يتصور البعض أنه لا بد منها لمَن خاض عالم السياسة.
كما أن هذا من أهم ما تحتاجه الأمم والشعوب والجماعات، ويحتاجه قادتها في موازنة الأمور؛ فكم مِن قراراتٍ اتخذها قادة دمَّرت جماعتهم وأهلكت أمتهم، والمترَفون إذا تصدروا المشهد وصاروا صُنَّاع القرار دون وازعٍ مِن دينٍ أو حدودٍ مِن شرعٍ؛ فسقوا وخرجوا عن الشريعة فأُهلكت أممهم، قال -تعالى-: ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) (الإسراء:16) .
وكذلك مِن المخاطر الكبيرة في إهمال الموازنات أن يتخذ بعض القادة قراراتٍ متهورة خرقاء تؤدي إلى صدامات غير محسوبة العاقبة، وأحيانًا تكون محسوبة العاقبة ضد شعوبهم أو جماعتهم؛ تؤدي بهم إلى الخراب والدمار، وما الحرب العالمية الثانية منا ببعيدٍ؛ فقد دمرت دُوَلًا وانتهكت حرمات شعوب بما استوعب الشعب كله في الانتهاك والتدمير، بسبب عقلية خرقاء للقائد النازي "هتلر" ومَن اقتنعوا بفكرته الجنونية التي أنزلتْ أكبر المآسي بالبشرية؛ بقتل أكثر من 80 مليونًا من البشر، غير الخراب الذي حَلَّ بألمانيا وإيطاليا واليابان، بل ودول الحلفاء أيضًا!
لو تَأَمَّلنا قرار حُيي بن أخطب وكعب بن أسد في قصة الأحزاب في نقض العهد مع رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والدخول في المعركة لصالح الأحزاب المشركين الذين رجعوا وتركوهم لمصيرهم المحتوم الذي قصه الله علينا: ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا . وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا . وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ) (الأحزاب:25-27) - لو تأملنا هذا القرار الجاهل الظالم مِن القيادة المُجرِمة؛ لوجدناه أدَّى إلى هلاك طائفتهم ومحوها مِن الوجود؛ لخطأ الحسابات، والجهل بسنن الله الشرعية والكونية، وقبل ذلك الكفر والتكذيب برسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وإن تَجَلَّد متخذ القرار وزعم أنها المَلحَمة التي كُتبت على بني إسرائيل؛ يحتج بالقدر ليتنصل من مسئولية القرار الخاطئ المدمر!
وكم مِن طوائف لا تتعلم مِن التاريخ، بل ولا تستفيد مِن دروس الأحداث التي مرت بها هي نفسها، ولا تزال تتخذ القرارات الخاطئة التي تُبنى على العواطف دون الشرع والعقل، والعاطفة الجاهلة تجني على أصحابها -وغيرهم- أشد الجنايات وأسوأها، وتهدم مستقبل أفراد وجماعات، وتضيع ما بأيديهم مِن نِعَم، وتحل أنواع الشرور مِن: الجوع، والخوف، وأنواع الضراء بعد الأمن والعافية.
ونحاول أن نستفيد مِن قصص الأنبياء -مما قص الله علينا في القرآن- بما نتعلم منه خيارات اتخاذ القرار المتسعة في الأحوال المختلفة، قال الله -تعالى- في قصة موسى والخضر -عَلَيْهِما السَّلَامُ-: ( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا . قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ) (الكهف:71-72) ، وقال في تفسير ما فعله: ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) (الكهف:79) .
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- في قصة موسى والخضر -عليهما السلام- قال: ( فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ، فَحَمَلُوهُمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إِلَّا وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ -أي: أجر- عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ، فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا؟ قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ، وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ) (رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظ البخاري) ، وفي الرواية الأخرى للبخاري أيضًا قال: ( حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ وَجَدَا مَعَابِرَ صِغَارًا تَحْمِلُ أَهْلَ هَذَا السَّاحِلِ إِلَى أَهْلِ هَذَا السَّاحِلِ الْآخَرِ عَرَفُوهُ، فَقَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ الصَّالِحُ -قَالَ: قُلْنَا لِسَعِيدٍ: خَضِرٌ؟ قَالَ: نَعَمْ-، لَا نَحْمِلُهُ بِأَجْرٍ، فَخَرَقَهَا وَوَتَدَ فِيهَا وَتِدًا، قَالَ مُوسَى: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؛ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا! ) قَالَ مُجَاهِدٌ: مُنْكَرًا.