شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مواقف من التاريخ

الشيخ ياسر برهامي • السيرة والتاريخ

وروى محمد بن إسحاق في هذه القصة: "فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ يَتَعَرَّضَانِ النَّاسَ، يَلْتَمِسَانِ مَنْ يَحْمِلُهُمَا حَتَّى مَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ جَدِيدَةٌ وَثِيقَةٌ، لَمْ يَمُرَّ بِهِمَا شَيْءٌ مِنَ السُّفُنِ أَحْسَنُ وَلا أَجْمَلُ مِنْهَا وَلا أَوْثَقُ مِنْهَا، فَسَأَلا أَهْلَهَا أَنْ يَحْمِلُوهُمَا فَحَمَلُوهُمَا، فَلَمَّا اطْمَأَنَّا فِيهَا وَلَجَّجَتْ بِهِمَا مَعَ أَهْلِهَا أَخْرَجَ مِنْقَارًا لَهُ وَمِطْرَقَةً ثُمَّ عَمَدَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْهَا فَضَرَبَ فِيهَا بِالْمِنْقَارِ حَتَّى خَرَقَهَا، ثُمَّ أَخَذَ لَوْحًا فَطَبَّقَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهَا يُرَقِّعُهَا، قَالَ لَهُ مُوسَى: فَأَيُّ أَمْرٍ أَفْظَعُ مِنْ هَذَا! أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا... " (انظر تفسير الطبري، وتفسير ابن كثير) .

الخَضِر ولي من أولياء الله تعالى -أو نبي من أنبيائه-؛ له الكرامات أو المعجزات الخارقة، ومعه نبي الله موسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كليم الله؛ الذي واجَه أعتى الملوك وأقوى الجيوش في زمنه -فرعون ذي الأوتاد-، ومملكة المصريين القدماء -وهي من أشد الممالك استقرارًا في ذلك الزمان- زالت بالكلية بفضل الله -تعالى- على موسى -عليه السلام- وبني إسرائيل، ورزق موسى فيها من الشجاعة والحنكة والمواجهة القوية للباطل ما لم يُرَ مثله لا قبل ذلك ولا بعده؛ إلا ما كان مِن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

وواجَه الخَضر مشكلة المساكين -أصحاب السفينة- في مواجهة قرصان من قراصنة البحار؛ ملك ظالم يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا، والمساكين أصحابها أهل خير؛ يحبون أهل الخير، ويعرفون أولياء الله ويكرمونهم، ويأبون أن يأخذوا منهم أجرة، ويعرفون معنى العبودية والصلاح، ولا نشك أن ذلك الملك كان مُلكه وسلطانه أقل من فرعون؛ إذ لم يكن عنده من الكنوز ما يحوجه إلى غصب السفن وتَكَلُّف ركوب البحر مِن أجل ذلك؛ فهل فَكَّر الخضر في أن يُواجِه هو ومعه موسى وفتاه يوشع بن نون -قائد المستقبل وفاتح بيت المقدس بعد موت موسى وهارون، ومحررها من العماليق؛ سكانها المشركين إذ ذاك- والمساكين، هذا الملك الظالم، وأن يقاتله معتمدًا على قوة موسى وشجاعته وبسالته وتاريخه في قهر الجبابرة؟!

ولعل الثورة ضد الملك الجبار الظالم توقف مأساة العشرات والمئات من أصحاب السفن المظلومين الذين يأخذ الملك الظالم سفنهم غصبًا؛ فهل قال لموسى -أو قال له موسى-: لماذا نقبل الضيم؟ وإلى متى لا نثور في وجه الظلم والباطل ونسعى إلى تغييره، وأن القوة لا تردعها إلا القوة؟!

لم يفعل الخضر ذلك، ولا لامه موسى حين عرف حقيقة الأمر، ولم يتهمه بالعمالة ولا الخيانة ولا الجبن، بل امتدحه الله على فِعله، وبَيَّن أنه بأمر الله فَعَله؛ ليتعلم موسى ويتعلم فتاه -ويتعلم مَن بعدهما مِن المؤمنين- ما يجب فعله في مثل هذه الأحوال.

عاب الخَضِر السفينة رغم وجود خطر غرقها الذي قللـه العبد الصالح باللوح الذي وضعه ليرقع به الخرق الذي فعله، وبَاشَر بنفسه المفسدة الأقل، وليس فقط أنه ترك غيره يفعلها ولم يُنكِر عليه، بل ولا أمر أهل السفينة بأن يفعلوا المفسدة بأنفسهم لينقذوا أنفسهم؛ لعلمه -والله أعلم- أن قلوبهم لن تطاوعهم أن يعيبوا سفينتهم الجديدة الوثيقة التي لا أحسن منها ويخرقوها؛ فتولى هو الخرق والعيب ليصرف الملك الظالم عنها، فإذا جاوزوه أصلحوا سفينتهم واستمروا في حياتهم وكسبهم بهذه الطريقة؛ وما ذاك إلا لأن المواجهة بين هؤلاء المساكين -ولو كان معهم موسى والخضر ويوشع بن نون- للمَلِك ليست مواجهة متكافئة ولا محتملة، بل نهايتها بالأسباب الظاهرة -التي هي مِن السنن الكونية- محسومة لصالح الملك؛ فلو واجهوه ضاعت عليهم السفينة، بل ضاعت عليهم أنفسهم لقتل الملك إياهم؛ إذ واجهوه وحاربوه وثاروا عليه.

وليس هذا ذُلًّا ولا جُبنًا، ولا ركونًا إلى الذين ظلموا، ولا خُنوعًا ومهانة، وبالقطع ليس عمالة ولا خيانة ولا نفاقا، ولا معاونة على الفساد، كما يحلو للبعض -في مغالاته- أن يصف موقف المخالفين له بذلك! مع أنه يرى المصائب التي جلبها لجماعته وطائفته -بل لشعبه وأمته-، والخسائر التي اجتلبها بلا مكاسب، والمفاسد التي تسبب فيها بلا مصالح، ولا يزال -على الرغم من كل ذلك- يصر على طريقته، وقد أُشرِب قلبُه الضلال فلا ينفك عنه، وامتلأ قلبه بالحقد والغل؛ حتى إنه ليتمنى زوال بلاده وخرابها! ويتمنى تَسَلُّط العدو الكافر عليها وسفك دماء أبنائها، وأن يضربهم العطش والجوع والخوف؛ فهل يرى أحد أن هذا مِن النصيحة في شيء، والتي جعلها الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هي الدين فقال -عليه الصلاة والسلام-: ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ )، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: ( لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ ) (رواه مسلم) ؟!

إلا أن المشكلة الأكبر في هذه المسألة، هي: اعتقاد أن هؤلاء المسلمين ليسوا بمسلمين؛ بل إما كفار أو طبقة متميعة لا حكم لها!

نسأل الله العافية، وهو المستعان وعليه التكلان.

الصفحة السابقة