شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (31) الحركة النسوية في أوروبا والمنظمات النسوية في مصر (4-5)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيمكن تصنيف أغلب الجمعيات النسوية في مصر والدول العربية على أنها جمعيات علمانية تتبنى ما يتبناه الغرب من أفكار واتجاهات يتم الترويج لها داخل البلاد العربية، ويمكن وصف القائمين عليها بأن لهم نظرة علمانية برجماتية في تقويم الأمور؛ يتضح ذلك من خلال مطالبهم وتقويمهم للأمور سواء في مؤتمراتهم أو في كتاباتهم.

وهذه الجمعيات تقلل دومًا من أمر الأخلاق والقيم، وتصفها بالنسبية، وأنها أثر للتنشئة الاجتماعية؛ لذا سعت سعيًا محمومًا لإقرار وتثبيت ما تراه هي حقًّا للمرأة، ولو تناقض مع الأخلاق والقيم، مقتدية بالأجواء الغربية التي أطاحت بالكثير مِن الأخلاق والقيم حتى أصبحت الطهارة والعفاف عيبًا والتوسع في المتع والشهوات مقصدًا وغاية، (انظر فصل: قراءة في فاعليات الحركة النسوية المصرية، للصحفي المصري محمد فخري من كتاب: "الحركة النسوية وخلخلة المجتمعات الإسلامية: المجتمع المصري أنموذجًا"، تحرير الهيثم زعفان ط. كتاب البيان، ص127 بتصرف) .

"ولما كانت هذه الأفكار النسوية معرضة للرفض، بل وللهجوم مِن قِبَل المجتمعات الإسلامية؛ لعدم اتفاقها مع الإسلام؛ لجأ الفكر النسوي الغربي إلى تجنيد لجنة المرأة في منظمة (الأمم المتحدة) للترويج لهذا الفكر في صورة مؤتمرات دولية، وندوات عالمية وإقليمية، وتوصيات وقرارات تقوم على تنفيذها الحكومات والمنظمات النسائية الحكومية وغير الحكومية، بحيث تكون هذه التوصيات ملزمة للدول التي توقع عليها التي عليها تذليل العقبات في طريق تنفيذها" (المصدر السابق، ص149 – 150 بتصرف) .

إن مَن يتأمل هذه التوصيات والقرارات والاتفاقيات الصادرة من الأمم المتحدة بهذا الشأن يدرك (كيف يتغلغل الفكر النسوي داخل الأمم المتحدة، وكيف يوظفها لمبادئه وأهدافه المغرضة لكي يسود هذا الفكر العالم كله، ولا شك أن هناك أصابع خفية تحرك هذا الفكر لكي يطرح ويصبغ بصبغة شرعية دولية عن طريق الأمم المتحدة، وبالتالي يسهل تصديرها بصورة شرعية دولية للمجتمعات الإسلامية المستهدفة؛ لهذا نجد أن خطاب الأمم المتحدة المتعلق بقضايا المرأة لا يختلف عن الإستراتيجية العامة التي تشكِّل الفكر النسوي الغربي، حيث يركِّز الخطاب على ثوابت منها:

1- ضرورة تغيير وضع المرأة في العالم العربي والإسلامي، وتمكينها اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا عن طريق برامج موجهة للتوعية بقضايا المرأة من خلال المنظور الغربي.

2- القضاء على القوالب الجامدة التي لا تزال تحدد الأدوار المنوط القيام بها للمرأة وللرجل في الأسرة والمجتمع، والتي تميز بين الذكر والأنثى. والمراد بالقوالب الجامدة في خطاب الأمم المتحدة الدين الإسلامي الذي تحولت أحكامه إلى تقاليد وأعراف متوارثة، تتمسك بها المرأة والأسر المسلمة.

3- ضرورة القضاء على المفهوم السائد عن دور الرجل ودور المرأة في المجتمع، أي تغيير مفهوم المجتمع الذكوري الشائع لدى المجتمعات الإسلامية، وإحلال مفهوم بديل يعتمد على تقبل الصبغة الأنثوية للمجتمع واحترام الجنسية المثلية.

4- القضاء على أشكال اللامساواة والتمييز ضد المرأة، مع الدعوة إلى استخدام لغة غير ذكورية محايدة، لغة جندرية بمفهوم الفكر النسوي.

5- ضرورة تمكين المرأة من شغل الوظائف السياسية والاجتماعية والاقتصادية رفيعة المستوى، مما يمكن المرأة من نشر فكرها والتعبير عن أهدافها النسوية بحرية، والتأثير في البرامج التي تعالج قضايا المرأة (المصدر السابق: 150-151) .

علاقة الفكر النسوي بنظرة الاستعمار الحديثة:

يوافق الفكر النسوي النظرة الاستعمارية الحديثة حيث يركز على التـأكيد على تدني الشعوب الإسلامية ثقافيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، ويجتهد في وضع خطاب لتغيير فكر وسلوك المرأة في العالم الإسلامي، خطاب يتهم الرجال بأنهم يضطهدون المرأة ويمارسون كافة أشكال العنف ضدها، في حين أن المرأة الغربية امرأة متحضرة؛ لأن رجال المجتمعات الغربية في زعم هذا الخطاب أكثر تحضرًا وتقدمًا ورقيًّا؛ وعليه فإن الخطاب النسوي الاستعماري الموجه إلى العالم الإسلامي يسعى إلى تشكيل الفكر المستقبلي للمرأة المسلمة عن طريق تغيير المنظومة السياسية والفكرية والثقافية في المجتمعات الإسلامية، وصبغها بالصبغة الغربية من خلال الشباب والشابات الذين تشبعوا بالثقافة الغربية، وتولوا القيادة في هذه المجتمعات ليحققوا التغيير المنشود (انظر المصدر السابق، ص 166 -167) .

وفي نفس الوقت، فإن حكام الغرب وقادته يخاطبون شعوبهم خطابًا يجعل تعاطفهم مع التدخل في شئون الدول الإسلامية والعربية بتصوير مجتمعات هذه الدول على أنها مجتمعات متخلفة تمارس الاضطهاد والتمييز والعنف ضد المرأة، وأن المرأة تعاني من الفقر ونقص التعليم والرعاية الصحية، وتخضع للزواج المبكر وكثرة الإنجاب، وتحرم من الميراث وتعاني من هضم حقوقها الاجتماعية والاقتصادية؛ لذا لا يعارض المواطن الغربي تقديم المعونات والدعم للمنظمات النسوية وتخصيص نسب من القروض والمنح الغربية لها، وإلزام حكومات هذه الدول بما تمليه سياسيات القادة والحكام الغربيين والأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، علمًا بأن هذا الدعم هو من ضرائب هؤلاء المواطنين في أمريكا وأوروبا.

كما أن القادة الغربيين قد وجدوا في دعاوي نشر الديمقراطية ومكافحة الفقر والتخلف الحضاري مبررًا أخلاقيًّا مناسبًا يقدمونه لمواطنيهم من أجل ممارسة الضغوط على الأنظمة في المنطقة العربية والتدخل بشكل غير مباشر أو بشكل مباشر ولو بالحرب.

يقول (بيل كريستول) رئيس تحرير مجلة (ويكلي ستاندرد) في حديث لصحيفة (ها آرتس الإسرائيلية): "إنه من الصعب إقناع الأمريكان بشنِّ حربٍ من أجل المصالح المجردة، لكن مِن اليسير إقناعهم بشن حرب من أجل فرض القيم... حرب من أجل تحقيق حلم أخلاقي معين... فالأمريكان لديهم إحساس هائل بأنهم أصحاب رسالة، وأمريكا يجب أن تقدم شيئًا ما أكثر رفعة وسموًا من الحياة الرغدة والنجاح المادي الملموس".

الصفحة التالية