من نور السُّنة... (وَلَا صَفَرَ!)
عصام حسنين • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا عَدْوَى، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ ) فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ، فَيَجِيءُ الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا؟ قَالَ: ( فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟ ) (متفق عليه) .
وفي رواية: ( لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ ) (رواه مسلم) .
وفي رواية: ( لَا عَدْوَى، وَلَا غُولَ، وَلَا صَفَرَ ) (رواه مسلم) .
وفي رواية لمسلم: ( وَلَا نَوْءَ، وَلَا صَفَرَ ).
وفي رواية: ( لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ، وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ ) (رواه البخاري) .
- في هذه الأحاديث الشريفة يبطل النبي -صلى الله عليه وسلم- معتقدات الجاهلية، حيث كانوا يعتقدون أن هذه الأشياء تؤثِّر بذاتها دون الله -عز وجل-؛ فنفى النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك؛ لأن الضار النافع هو الله -تعالى-، وكل شيء بتقديره -تعالى-، فهو -عز وجل-: ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ) (يونس:3) ، ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) (الأعراف:54) .
- وهو رب العالمين، خالق كل شيء، خالق الخير والشر، ولا يُنسب إليه الشر أدبًا، ولا شر في أفعاله، إنما الشر في بعض مخلوقاته؛ ابتلاءً منه لعباده، له المشيئة النافذة في خلقه أجمعين؛ فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد.
فالمرض لا يؤثِّر بذاته، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ عَدْوَى )، أي: لا عدوى مؤثرة بذاتها، وأكد -صلى الله عليه وسلم- ذلك بقوله: ( فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟ )، وهذا لا يمنع وجود أمراض معدية لا بد مِن تجنبها وأخذ بأسباب النجاة منها؛ ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَفِرَّ مِنَ المَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ ). والجذام: مرض معدٍ ينتقل عبر رذاذ الأنف أثناء الجماع المتكرر، أو ملامسة الأشخاص المصابين لفترات طويلة.
وبعض حالاته شديدة العدوى "خاصة الأسدي"، وهذا المريض عندما يرى الإنسانَ الصحيح يديم النظر إلى وجهه؛ يزداد حزنه ومرضه، فأمرنا -صلى الله عليه وسلم- أن نفر منه حتى لا يزداد حزنه، وأخذًا بأسباب النجاة منه، مع التفات القلب إلى مسبب الأسباب -سبحانه وتعالى-، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ) (رواه مسلم) ، أي: لا يورد صاحب الإبل المريضة منها على الصحيحة أخذًا بالسلامة، وبأسباب النجاة من التهلكة.
- والطيور والشهور لا علاقة لها بما سيصيب الإنسان من خير أو شر، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلَا طِيَرَةَ ). والطيرة هي: التشاؤم والتفاؤل بالطير؛ كانت العرب إذا أراد الرجل منهم سفرًا أو أمرًا عمد إلى الطير فحركها؛ فإن طارت يمينًا تفاءل وأتم أمره، وإن طارت شمالًا تشاءَم وقطع أمره! فنفى النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك فقال: ( وَلَا طِيَرَةَ )، وقال: ( الطِّيَرَةُ شِرْكٌ ) قالها ثلاثًا. (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وقال: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطِيَّرَ لَهُ ) (أخرجه البزار والطبراني في الكبير، وقال الألباني: صحيح لغيره) .
وهذا يجعل المؤمن يتوكل علي ربه -وحده- الذي بيده ملك الضر والنفع، الذي يقول في كتابه: ( قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ) (الزمر:38) ، وقال: ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (الأنعام:17) .
- ونفى -صلى الله عليه وسلم- تأثير الهامة بقوله: ( وَلَا هَامَةَ )، أي: البومة على تفسير؛ إذ كانوا يتشاءمون من البومة إذا وقفت على بيت أحدهم، ويقولون: نعت إلى نفسي! فنفى النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك.
- ونفى -صلى الله عليه وسلم- تأثير الغول بنفسها فقال: ( وَلَا غُولَ )، حيث كانوا يعتقدون أن الغيلان تتراءى للناس في الفلوات والصحراء، فتضلهم عن الطريق وتهلكهم، فنفاه -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنها لا تستطيع أن تضل أحدًا، وأبطله، وليس هذا نفيًا لوجود الغول الذي هو نوع من أنواع الجن، ويشهد له ما روي عنه -صلى الله عليه وسلم-: "لا غول، ولكن السعالي سحرة الجن" (أخرجه الخطابي في "غريب الحديث" من مرسل الحسن بن محمد ابن الحنفية) ، وحديث أبي أيوب: "أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ سَهْوَةٌ فِيهَا تَمْرٌ، فَكَانَتْ تَجِيءُ الغُولُ فَتَأْخُذُ مِنْهُ... " (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
ونفى -صلى الله عليه وسلم- تأثير الأنواء في نزول المطر فقال: ( وَلَا نَوْءَ ). والنوء واحد الأنواء، وهي: منازل القمر، وهي ثمانية وعشرون منـزلة، يسقط في الغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر، ويطلع أخرى مقابلها ذلك الوقت في الشرق، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع نظيرها يكون مطر فينسبونه إليها، فيقولون: مطرنا بنوء كذا!