شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

من نور السُّنة... (وَلَا صَفَرَ!)

عصام حسنين • من نور الوحيين

فنفى -صلى الله عليه وسلم- تأثيرها في نزول المطر بقوله: ( وَلَا نَوْءَ )، وفي حديث زيد بن خالدٍ الجهني قال: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ( هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ ) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ( أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ ) (متفق عليه) .

- ونفى -صلى الله عليه وسلم- اعتقادهم تأثير شهر صفر في أحداث الدهر بقوله: ( وَلَا صَفَرَ ).

وسبب تسميته بذلك:

قيل: لإصفار مكة مِن أهلها، أي: خُلوها إذا سافروا فيه.

وقيل: لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل فيتركون مَن لقوا صِفرًا مِن المتاع، أي: يسلبونه متاعه، فيصبح لا متاع له، وكانوا لا يعقدون فيه نكاحًا؛ تشاؤمًا أن يصيبهم فيه شيء، فنفى -صلى الله عليه وسلم- ذلك، وقال: ( وَلَا صَفَرَ ).

وأبطل -صلى الله عليه وسلم- ذلك بفعله؛ فقد تزوج خديجة -رضي الله عنها- في شهر صفر، وكذا تزوج عائشة وبنى بها في شهر شوال -وكانوا يتشاءمون منه-؛ وكذا زوَّج -صلى الله عليه وسلم- ابنته فاطمة -رضي الله عنها- لعلي -رضي الله عنه- في شهر صفر.

وكانت غزوة الأبواء وخيبر وإرساله جيش أسامة -رضي الله عنه- لغزو الروم في شهر صفر، وكل ذلك منه -صلى الله عليه وسلم- إبطال لمعتقدات الجاهلية، وقد قال في خطبة الوداع: ( أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ ) (رواه مسلم) .

- وللأسف ما زالت هذه المعتقدات موجودة بين المسلمين؛ لذلك وجبت النصيحة.

فمِن الناس مَن يتشاءم مِن البومة أو القطة السوداء أو بعض الأيام، ومنهم: مَن يتشاءم من يوم الأربعاء، وساعة صلاة الجمعة، ويسميها: "ساعة نحس!"، ومنهم: مَن يتشاءم من بعض الأرقام: كالشيعة -قبحهم الله- يتشاءمون من الرقم عشرة؛ لأنهم يبغضون العشرة المبشرين بالجنة.

ومنهم: مَن يتشاءم مِن شهر شوال وصفر فلا يتزوج فيهما، ومنهم من يتشاءم من يوم معين أو لون معين.

- ويقولون: إن آخر أربعاء من شهر صفر تنزل فيه آلاف البليات؛ فجعلوا له دعاءً وصلاة مخصوصتين.

- ومنهم مَن يجمع شرًّا على شر، فقبل أن يخرج من بيته يقرأ: "حظك اليوم"، وينظر إلى برجه: ماذا يقول له المنجم؟! إن قرأ شيئًا يحزنه لم يخرج من بيته ذلك اليوم، ويظل ينتظر الشر الذي يتوقعه.

ومنهم من يقول: عيني تطرف اليوم! ينتظر شرًّا يصيبه!

نعوذ بالله من حال هؤلاء!

هل هناك أناس حياتهم بهذه الصورة لا يتوقعون إلا الشر؟ إى والله! ومَن تطير فلا يضر إلا نفسه؛ فتجده حزينًا مكتئبًا، غير حسن الظن بالله! لا يا عباد الله! توقعوا الخير، وتفاءلوا به تجدوه، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ ) قِيلَ: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: ( الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ ) (متفق عليه) .

ففسره بالكلمة الطيبة يسمعها الرجل، كمَن أراد سفرًا؛ فسمع رجلاً ينادي على آخر: يا سالم. فيتفاءل أن يسلم في سفره، لكن لا يتعمد مَن ينادي عليه بذلك.

تفاءل دائمًا؛ وظن بربك الخير، وأنه سيحفظك ويرعاك كما في الحديث القدسي: ( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني) .

- وإذا وقع في نفسه شيء مِن ذلك؛ فليذهبه بالتوكل، ولا يرده عن حاجته، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "الطِّيَرَةُ شِرْكٌ وَمَا مِنَّا إِلَّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ" (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

ما كفارة من وقع في شيء من ذلك؟

عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ، فَقَدْ أَشْرَكَ )، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ( أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وفى حديث آخر: ( فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ ) (رواه أبو داود، وصححه الإمام النووي في رياض الصالحين) .

هذا هو الإيمان بالقدر، فيرغب في رحمة الله، ويتوكل على الله، ويفوض أمره إلى الله؛ أما أن يعيش حزينًا كئيبًا محبطًا، يتوقع الشر من يوم أو شهر، ونحو ذلك! فهذا محرم، ومن الشرك.

ومنهم مَن يقول: "صفر الخير" مقابلة منه للبدعة ببدعة، وهذا أيضًا خطأ؛ فالأزمنة لا دخل لها في التأثير، بل الله -تعالى- الذي يقدِّر فيها الخير والشر. والله أعلم.

الصفحة السابقة