مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (1)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تَعدَّدَت مظاهر القسوة في حياتنا بطريقة غير مسبوقة؛ مصداقًا لقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجَ )، قَيلَ: ومَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: ( الْكَذِبُ وَالْقَتْلُ )، قَالُوا: أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ الْآنَ؟ قَالَ: ( إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمُ الْكُفَّارَ، وَلَكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ، وَيَقْتُلَ أَخَاهُ، وَيَقْتُلَ عَمَّهُ، وَيَقْتُلَ ابْنَ عَمِّهِ ). قَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَمَعَنَا عُقُولُنَا؟ قالَ: ( لَا. إِلَّا أَنَّهُ يَنْزِعُ عُقُولَ أَهْلِ ذَاكُم الزَّمَانِ حَتَّى يَحْسَبَ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ ) (أخرجه أحمد وابن ماجه بنحوه، وصححه الألباني) ، وصارت أخبار القتل بيننا، وكذا الجَرح واستعمال السلاح والضرب والتعذيب حتى في الخصومات الشخصية، فضلًا عن مواقع التعذيب في أماكن الاحتجاز وأثناء التحقيق -ليس فقط من أصحاب السلطان؛ بل في تعامل الجماعات المسلحة بعضها مع بعض ومع المدنيين-، وكذلك حوادث الاغتيال والتفجير، والقتل البَشِع.
بل الحروب الظالمة نفسها، والتي يُقتل فيها الملايين لأجل أن تكون أُمَّةٌ هي أَربَي مِن أُمَّةٍ، ولأجل أن يَعلو بعضُ الناس على بعضٍ ويبغي بعضهم على بعض على أسس العرقية الجاهلية، يَنصر الرجل لِعَصَبَةٍ ويغضب لعصبة، أو على أساس المصالح الاقتصادية، ولأن يزداد الأغنياء الأقوياء غِنَى، ويَزداد الفقراء ضعفًا وفقرًا، ومرضًا، وجوعًا وعطشًا؛ هذه الحروب هي مِن مظاهر القسوة البالغة.
وانتشار الاغتصاب والشذوذ الجنسي، والاعتداء على حُرُمات الناس تحت تهديد السلاح، هو مِن أعظم مظاهر القسوة في مجتمعاتنا وحُروبنا هذا الزمان.
وهذه المظاهر لم تقتصر على الأبدان والأسلحة؛ بل في الكلام أيضًا، والذي بدأ به النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حديثَه في تفسير الهَرج فقال: ( الْكَذِبُ وَالْقَتْلُ )، والكذب نوع من الاعتداء والقسوة على المُخَالِف، والذي يَستغل الكذاب به طيبة نفسه وسذاجته، وكونَه لا يَفترض إلا الصدق فيمَن يحدثه حتى يوصل إليه المعلومة الكاذبة ليضره بها أو يضر غيره.
وأعظم ذلك خَطَرًا: الكذب على رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الذي قال: ( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) (متفق عليه، وهو حديث متواتر) .
ومِن أخطر ذلك: الشائعات التي تبلغ الآفاق، ويترتب عليها الفتن والثورات التي صار مدحها -دون النظر إلى مآلاتها من الخراب والدمار- بطولة وكرامة وعزة وانتفاضة للشعوب! ولا يَعبأ الكذابون بما يُحدِثونه مِن رُعب وهَلَع وترويع للناس، بل ويفرحون بعواقب كذبهم مِن سفك الدماء وانتهاك الحرمات.
ومِن مظاهر القسوة في الكلام: اللعن والسب والقذف والشتم، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْر ) (متفق عليه) ، وقال: ( لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ ) (متفق عليه) ، وقال: ( لَيْسَ المُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الفَاحِشِ وَلَا البَذِيءِ ) (رواه أحمد الترمذي، وصححه الألباني) .
ويكفي لنعلم خطر الكلمة: أن الله -تعالى- جعل عقوبة كلمة القذف الجلد ثمانين جلدة -قريبة من عقوبة الزانية والزاني-؛ إضافة إلى رد الشهادة أبدًا، والحكم عليه بالفسوق، وجعَل هذه الجريمة من علامات النفاق وأسباب تدمير المجتمعات فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (النور:19) ، وقال في قصة الإفك: ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (النور:11) ، وقال في غضون ذلك: ( وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) (النور:14-15) .
والغيبة والنميمة من مظاهر القسوة في الكلام، ولقد لعِبَت وسائل التواصل الاجتماعي أسوأ دَور في نشر القسوة الكلامية والكتابية التي تُدَمِّر الأمم وتُشقي الشعوب؛ لأن القسوة عذابٌ لصاحبها قبل أن تكون عذابًا للمعتَدى عليه، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا ) (رواه مسلم) .
والتكفير أحد أخطر مظاهر قسوة الألسنة، قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ فَهُوَ كَقَتْلِهِ ) (رواه البزار والطبراني، وصححه الألباني) .
أما القسوة في القلوب فهي أَخْطَر وأشد، وهي تشمل القسوة في الجانب الديني، وأشد مظاهرها: تحريف الكَلِم عن مواضِعِه، ونسبة ما ليس مِن الدين إلى الدين والشرع؛ إما لفظًا وإما معنى؛ وبهذا حُرِّفت أديان وكَفَرت أقوامٌ، قال -تعالى-: ( فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (المائدة:13) .