مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (1)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
وبَيَّن -سبحانه- أن قسوة القلوب هي سبب تَسَلُّط الشيطان عليها بالشبهات المُضِلَّة، بل ربما وصل الأمر من شدة القسوة إلى أن يُوهِم الشيطانُ مَن قَسا قلبُه أن الرسول أو النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال شيئًا وهو لم يقله، وإنما هو تصديق الوهم الذي حصل بسبب الهوى، قال -تعالى-: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (الحج:52-54) .
وتَأَمَّل كيف جَعَل الله -سبحانه- لِينَ قلوب المؤمنين مِن أهل العلم في مقابلة قسوة الكافرين المُكَذِّبين الذين تسلَّط عليهم الشيطان؟!
فتقع الفِتَن من الشك والريب ثم التكذيب والكراهية لما أنزل الله بسبب هذه القسوة، وعدم لِين القلوب لما أَتَى به الوحي المنزل؛ هو بسبب هذه القسوة، قال الله -عز وجل-: ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) (الزمر:23) ، قال هذا بعد أن ذكر ضَرَر القسوة فقال -عَزَّ وَجَلَّ-: ( فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) (الزمر:22) .
ولذا كانت البِدَع والفتاوى الباطلة، والأحاديث الموضوعة المكذوبة، علامة على القسوة في القلوب؛ إذ هي من أعظم أسبابها؛ ولذا نجد أن أقسى الناس في التعامل مع المسلمين -بل وغيرهم-، أشد الناس بدعة، ومنهم مَن هو خارج عن المِلَّة: كالقرامطة، والباطنية، والعَلَوِيّين، ووقائعهم عبر الزمان معلومة أثناء استيلائهم على بلد الله الحرام، وقتلهم الحُجّاج ورمي جثثهم في ماء زمزم، وتعطيلهم هذه المناسك التي شرع الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن تُؤَدَّى في الجاهلية والإسلام، ثم اقتلاعهم الحجر الأسود وأخذه إلى بلادهم عشرين سنة حتى رُدَّ إلى موضعه من بيت الله الحرام!
وكذلك أثناء استيلاء الفاطميين على مصر وارتكابهم فيها الفظائع، مِن سَلْخ جلود مَن حَذَّرَ منهم مِن العلماء حتى رحمه اليهودي الذي كان يَسلخه فقَتَلَه!
وكذلك كان العلويون في الأزمنة المختلفة في أواخر الدولة العثمانية.
وكذلك ما وقع عبر الزمان في بلاد الشام في العصور المتأخرة مِن أقسى المذابح التي قادها العلويون؛ وما واقعهم المعاصر الأليم ببعيدٍ عن ذلك.
ووَرِثَهم في ذلك الرافضة؛ الذين هم أشد الناس بدعةً وتكفيرًا للأُمَّة وانتهاكًا لحرُماتها؛ وما القسوة التي حدثت في سقوط بغداد على يد التتار وزعيمهم "هولاكو" مِن قَتْلِ مليون وثمانمائة ألف مسلم في بغداد وحدها -غير ما قُتِل قبل ذلك في البلدان والمدن المختلفة- إلا مِن جراء حقد الشيعة وغِلِّهم وقسوتهم، ونصيحتهم لهولاكو بقتل الخليفة واستباحة بغداد.
وكذلك الخوارج التكفيريون من أشد الناس قسوة في سفكهم الدم الحرام وانتهاكهم حرمات المسلمين بتكفيرهم؛ وما وقع في بلاد المسلمين في زماننا في العراق وسوريا واليمن مِن عظيم القتل والتعذيب والخراب إلا بحقد هاتين الطائفتين من أهل البدع، وتحالفهم مع أعداء الأُمَّة على تدميرها وتدمير بلادها.
ولا شك أن قسوة الملحدين المُشَارِكين لهؤلاء كانت من أشد أنواع القسوة؛ فإذا أردت أن تتأمل قسوة الملحدين، فانظر إلى ما فعله الروس إبان دولة الاتحاد السوفيتي في بلاد المسلمين؛ فالثورة البلشفية قامت على جثث عشرين مليونًا مِن البشر، معظمهم من بلاد المسلمين، وكذا ما فعله "تيتو" في إقامة الاتحاد اليوغسلافي -الذي تحلل بعد ذلك-؛ فقتل خمسة ملايين من المسلمين في البوسنة والهرسك، وباقي بلاد الاتحاد، وكذا ما وقع في بلاد القوقاز أيام "ستالين" وفي العصور الحديثة من أجل قهر هذه الشعوب، وكذلك ما فعله الصينيون في التركستان الشرقية قديمًا وحديثًا؛ كل هذا يزيد على ما عَلِمَه العالَم مِن قسوة محاكم التفتيش في الأندلس.
ومِن قسوة القلوب: الغِلّ والكراهية والبغضاء؛ حالقة الدين كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وعسى أن نبيِّن في سلسلة مقالاتنا أسباب هذه القسوة المُفْرِطة، وبيان علاجها -إن شاء الله-.