الفساد (32) الحركة النسوية في أوروبا والمنظمات النسوية في مصر (5- 5)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد استطاعت الحركة النسوية الغربية أن تمتد بفكرها العلماني إلى مجتمعاتنا العربية والإسلامية، وأن تتغلغل داخل حصوننا لتعمل فيها معاول الهدم والتغيير، وهي في ذلك مدعَّمة بتأييد ومساعدة المنظمات والمؤسسات الدولية خاصة الأمم المتحدة المتبنية تطبيق هذا الفكر بآليات ووسائل شتى، مِن خلال فرض ما تريده على حكومات العالم الثالث بإلزامها بقرارات وتوصيات مؤتمراتها الدولية، ومن خلال الدعم والتمويل للمنظمات والمؤسسات المتعاونة معها في طرح وتنفيذ برامجها وأهدافها، مدعومة بمَن تشربوا الفكر الغربي وأصبحوا مِن أشد دعاته بين صفوفنا من النخبة والمثقفين ورجال الأعمال الذين تربوا على موائد الغرب.
إن هذه المنظمات النسوية تبث سمومها من خلال برامج ظاهرها الإنسانية والرغبة في تحسين أحوال المرأة، وإخراجها من الفقر والجهل، وحمايتها من العنف والتمييز، وحقيقتها خلط السم بالعسل؛ إذ سرعان ما تجد خلف هذه المزاعم برامج معدة سلفًا، تم إعدادها بدقة لصبغ مجتمعاتنا بصبغة مادية علمانية، أخطر ما فيها أن مرجعيتها الأولى هي أفكار وقيم الحركة النسوية الغربية المتطرفة التي تخالف تمامًا مرجعيتنا الإسلامية وتعارضها أشد المعارضة، وهم يعلمون تمامًا أن هدفهم لا يتحقق إلا بنبذ المسلمين لدينهم، وهم بالفعل يسعون لذلك، وإن لم يجهروا في هذه المرحلة به، وكل مَن سبر أغوارهم وعرف حقيقة أغراضهم لا يساوره شك في سوء النية والطوية التي خلف معسول كلامهم وظواهر أعمالهم.
إن من أبسط مطالبهم التي يدعون إليها: الحرية الجنسية بشتى صورها؛ لفتح الباب للانحلال الخلقي.
ومِن وسائل ذلك:
نشر تعليم الجنس بين الشباب:
والمقصود به تقديم جرعة تعليمية جنسية يتعرف مِن خلالها المراهقون على شتى الطرائق الجنسية والإشكالات المصاحبة لها؛ ليتم اختيار الطريقة المناسبة التي يتحقق من خلالها إشباع الغريزة داخل وخارج نطاق الزوجية دونما وقوع آثار جانبية غير مرغوبة، مثل الأمراض التناسلية أو الحمل غير المرغوب فيه، وهذا يتم طرحه في العالم الإسلامي من خلال مصطلح: (الثقافة الجنسية).
وقد وضحت المادة 83 من وثيقة (بكين) 1995م الإجراءات التي يتعين اتخاذها من جانب الحكومات والسلطات والمؤسسات التعليمية والأكاديمية، حيث جاء فيها: (وعند الاقتضاء إزالة الحواجز القانونية والتنظيمية والاجتماعية التي تعترض التثقيف في مجال الصحة الجنسية والإنجابية في إطار برنامج التعليم الرسمي بشأن مسائل الصحة النسائية) (الحركة النسوية، ص283) .
الدعوة إلى الجنس الآمن:
والجنس الآمن مصطلح يقوم على حق المرأة في إشباع غريزتها بالصورة التي تقررها هي، لا التي تضبطها لها أية معايير أخرى، ومِن ثَمَّ فهي تمارس الجنس بصورةٍ توفر لها الحماية من الوقوع في براثن الأمراض الجنسية أو الحمل غير المرغوب فيه، وحتى يتحقق الجنس الآمن لا بد مِن توافر عنصرين مهمين: أولًا: تعليم الجنس حتى تتعلم المرأة كيف تحصل على المتعة دونما خطر. الأمر الثاني: خدمات الصحة الإنجابية، والمتمثلة في موانع الحمل والواقيات الذكرية والأنثوية، ويتطرق الأمر أحيانًا بالإشارة إلى أن أفضل مراحل الجنس الآمن لا يتم تحقيقها إلا بالسحاق!
تنص المادة 96 من وثيقة بكين على: (وتشمل حقوق الإنسان للمرأة حقها في أن تتحكم، وأن تبت بحرية ومسئولية في المسائل المتصلة بحياتها الجنسية والإنجابية، وذلك دون إكراه أو تمييز أو عنف)، كما تنص المادة: (108/ م) من الوثيقة: (كفالة توفير حصول الأزواج والأفراد على الصعيد العالمي على الخدمات الوقائية المناسبة وبأسعار زهيدة فيما يتعلق بالأمراض التي تنتقل عن طريق الاتصال الجنسي، بما في ذلك فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، وذلك من خلال نظام الرعاية الصحية الأولية، وتوسيع نطاق توفير المشورة وخدمات التشخيص والعلاج الطوعية والسرية للمرأة) (المصدر السابق، ص282) .
وتنفيذ أطروحات الفكر النسوي الغربي يتطلب:
أ- تحريض النساء على الرجال، وتشجيع تمردهن على الكثير من قيم وأخلاقيات المجتمع الذي يعشن فيه، بالمطالبة بما يراه الفكر الغربي العلماني المادي حقًّا للمرأة.
ب- العمل على معاداة النساء في المجتمعات الإسلامية للشريعة فيما يتعارض فيه الفكر الغربي مع أحكام الشريعة، أو على الأقل تأويل نصوص الشريعة وتحريفها لتتوافق مع تلك الأفكار الغربية العلمانية.
ج- هذا التمرد وهذا الخروج عن أحكام الشريعة أو تحريفها لتناسب المقاييس العلمانية هي الوسيلة إلى تخريب المرأة المسلمة أولًا ،وكل المجتمع المسلم من ورائها ثانيًا.
د- الترويج لذلك بصور ووسائل متعددة تقوم على الاحتيال الفكري، وخداع الجماهير، وبث الشبهات، وهو باب واسع استفاد فيه الغرب كثيرًا مِن جهود المستشرقين والمبشرين.
هـ- التعاون والتنسيق مع السلطات المحلية لتنفيذ الأجندة الغربية من خلال طرق عديدة للتوجيه والضغط والإلزام، مع تجنيد النخب من المفكرين والمثقفين والفنانين والمشاهير للترويج لهذه الأجندة من خلال الإغراء أو الترهيب، مع تجنب الصدام المباشر مع المخالفين عن طريق التدرج في تحقيق الأهداف المطلوبة من جهة، وإجبار المخالفين لاتجاهاتهم على قبول الأمر الواقع، أي نشر ثقافة الاستسلام لعمليات التغيير من جهة أخرى (وقد يكون من طبيعة البيئة التي تعمل فيها الحركة النسوية في البلاد الإسلامية ما يدفع تلك الحركة إلى عدم الجهر أو الدعوة إلى الأجندة كاملًا، ريثما يضعف المجتمع الإسلامي شيئًا فشيئًا تحت مطارق الغرب، والتوصيات والتشريعات والقوانين العابرة للقارات، القادمة من تحت عباءة الأمم المتحدة، فيكفي الآن في المرحلة الأولى تناول القضايا والأمور التي لا تتعارض تعارضًا بيِّنّا مع الشريعة الإسلامية، أو تناولها بطريقة فيها التواء بحيث لا يظهر المراد منها واضحًا بيِّنًا لعامة المسلمين، أو التي يمكن الاختلاف بشأنها بحيث يبدو الخلاف، وكأنه خلاف في أمور اجتهادية يسوغ الخلاف حولها، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الأمور الأكبر والأشد التي تليها.