الفساد (32) الحركة النسوية في أوروبا والمنظمات النسوية في مصر (5- 5)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ومن المعلوم أن الفساد يجر إلى فساد آخر، وأن الضلال في جانب يضيِّق مساحة البصيرة، ويزداد الأمر شيئًا فشيئًا حتى تطمس البصيرة بكاملها، كما قال -تعالى-: ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (المطففين:14) ، وكما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ) (رواه مسلم) (الحركة النسوية، ص295-260) .
خطوط عامة في مواجهة الحركة النسوية الغربية:
لقد أصبح مِن المحتم التصدي لتغلغل الأفكار النسوية الغربية في مجتمعاتنا، وإيقاف ما تحدثه في الأمة مِن تغييراتٍ على المستوى الرسمي والشعبي، بل والسعي بقوة لإزالة ما تحقق منها ويخالف الحق، وهذا يتطلب فهمًا جيدًا لقضايا المجتمع، ثم توضيح الحق فيها مفصلًا والرد على الباطل ردًّا كافيًا، ويتطلب أيضًا تكاتف أهل الحق ومؤازرة بعضهم بعضًا في القيام بأعباء هذا الواجب الذي لا ينبغي التأخر في البدء به عن ذلك، ولا عذر لنا في التخلف عنه، وقد علمنا خطره ورأينا بعضًا من آثاره الخطيرة، بل وأصبحنا ندرك ما يدبر للأمة بليل لزيادة تسلط هذا الفكر وفق ما يطمح إليه أصحابه وأذنابهم؛ فهذا التصدي على الأقل فرض كفاية على الكثيرين منا، ومنا مَن هو عليه بفرض عين، وهو يحتاج إلى جهودٍ كبيرةٍ لا جهود أفراد في مواجهة جهات رسمية رضخت -أرادت أو لم ترد- لضغوطٍ دوليةٍ، ومواجهة جهات غير رسمية تشربت -مقتنعة أو مخدوعة- لهذا الفكر النسوي.
وهذه المواجهة متنوعة بين مواجهة نظرية تتبني الجانب الفكري، ومواجهة عملية تتبنى الجانب الحركي، في مواجهة مدٍّ تسرب إلى كل أركان ومفاصل الأمة؛ مما يجعل المواجهة شاقة وطويلة، لكن يهونها علينا ما فيها مِن إعادة بناء يقوم على حصانة، ومناعة قوية في التصدي لهذه الأفكار، فهنيئًا لمَن يشارك في القيام بهذا الفرض عن علم وبصيرة وحكمة، ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) (يوسف:108) .
علامات وعقبات على طريق التصدي:
1- التمسك والتأكيد على المرجعية الإسلامية:
تقوم الحركة النسوية الغربية على تصورات الغرب العلماني، وقضاياها لا تمثِّل الاحتياج الحقيقي للمرأة المسلمة، نعم تعاني المرأة في مجتمعاتنا من صورٍ من الفقر والتأخر والحرمان، ولكن ليس هذا قاصرًا عليها، بل يعم المجتمع، لكل فئة منه نصيب، وليست تلك الصور مِن صنع الرجل المتسلط، لكنها بسبب ضعف وتأخر أمة أُريد لها ذلك مِن أعدائها، الذين مكروا بها وتكالبوا عليها، وكان بُعدها عن دينها من أسباب ضياعها؛ رغم ما عندها من ثروات، ورغم ما تملكه من كثرة، لكنها كغثاء السيل!
إن الكثير مما تطرحه أجندة النسوية الغربية لا تمثِّل احتياجات حقيقية للمرأة المسلمة، وما يمثل منها احتياجًا لها فهو حق لها ثابت في ديننا الإسلامي الذي يتمسح به دعاة النسوية إذا وجدوا فيه ما يوافقهم في الجملة، ليخدعوا مَن يخاطبوهم، ثم يوجهونهم عند التطبيق لمسايرة الكيفية التي يريدها الغرب لا الكيفية التي بَّينها الشرع؛ لذا فينبغي التأكيد على المرجعية الإسلامية جملة وتفصيلًا، وبيان أوجه مخالفة الأجندة الغربية لها، فهذا هو حائط الصد المنيع في مواجهة أباطيل الفكر النسوي الغربي، (ولا يستحسن في هذا الصدد أن نعرض القضايا الخلافية التي يمكن أن يثور حولها الاختلاف، أو التي تتناولها الاجتهادات من أطراف متعددة، بل يتم تناول القضايا التي يظهر بوضوح كاف للفئة المستهدفة مخالفتها للشريعة الإسلامية (الحركة النسوية، ص 261-262) .
إن المرجعية النسوية الغربية نابعة من أهواء الغربيين وما توارثوه: كمنع تعدد الزوجات، وتحريم الطلاق، ونحو ذلك، بينما مرجعية المسلمين كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
ولا شك أن البيان الواضح لمخالفة الفكر النسوي الغربي للشرع في كثيرٍ مِن قضاياه التي يطرحها بيننا سوف يسهم في تعرية هذا الفكر والحركة النابع عنها (المرجع السابق، ص 262) .
2- بيان المغالطة في قضاياهم التي يثيرونها:
حيث تشتمل دعاوى الحركة النسوية على مغالطاتٍ كبرى ينبغي كشفها بداية من زعمهم مناصرة المرأة في قضية ما، فعرض تلك القضية على غير حقيقتها أو المبالغة في تصويرها، ثم وضع الحلول على الوجه الذي يريدونه، وهي كلها أمور تحتاج إلى كشف أوجه المغالطة فيها.
3- بيان حال المتعاونين مع الفكر النسوي:
ما زالت أفكار الحركة النسوية تفتقد الانتشار بين الجماهير ومحرومة من اكتساب الشعبية في مجتمعاتنا؛ لذا فهي تعتمد على كوادر من الناشطات من دعاة الحركة النسوية، وتحرير المرأة والمستجيبات لهن، ومَن يوافقهن مِن الرجال المؤيدين لهن، وهي شريحة يغلب على رموزها التفرنج والتغريب، ولها باع في مخالفة الأمة في ثوابتها وهويتها الإسلامية، وتاريخها معروف، وإنتاجها الفكري والأدبي معلن، وآراؤهم وسلوكياتهم التي يخالفون فيها الدين ظاهرة، وكشف وتعرية هذه الرموز بإلقاء الضوء عليها، وكشف هذه الجوانب من حياتهم وفكرهم يجعل الناس يدركون حقيقة هذه الأصابع التي تحرك هذه الدعوات المشبوهة، وبالتالي المصالح التي وراءها.
4- وضع الضوابط المناسبة للتمويل الأجنبي: