الفساد (33) الأحزاب والحياة السياسية في مصر (1-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
تعتبر الأحزاب السياسية مدارس لتعليم الديمقراطية، لها تقاليد وممارسات حزبية وبين مؤسسيها وأعضائها توافق وتجانس واندماج، إلى جانب الحيوية والتجديد في نشاطها كمؤسسات للتنشئة وإعداد الكوادر السياسية، وكلها أمور تنظيم العمل داخل كل حزب، وتتطلب طريقة وآليات لصنع القرار الداخلي فيه، وتقاس الديمقراطية داخل الأحزاب بعددٍ مِن المؤشرات، منها: البناء التنظيمي، وعملية صنع القرار وإدارة النخبة الحزبية للحزب.
وعلى نقيض ذلك: نجد الكثير من الأحزاب المصرية تعاني من ضعف المصداقية والأداء الديمقراطي داخلها، في الوقت التي تطالب هي النظام بمزيد من الديمقراطية.
يقول د. علي الدين هلال في كتابه: (النظام السياسي المصري): "فيما يتعلق بالبناء التنظيمي يلاحظ التعارض بين واقع الأبنية التنظيمية للأحزاب المصرية ونصوص لوائحها الداخلية، ففي الأغلب يهيمن المستوى القيادي أو رئيس الحزب على السلطة والاختصاصات.
ففيما يتعلق بعملية صنع القرار الحزبي تشهد صناعة القرارات داخل أغلب الأحزاب الانفراد من جانب رئيس الحزب بالتعاون مع حلقة ضيقة من النخبة الحزبية، مع محدودية مشاركة المستوى الوسيط، وضآلة مشاركة المستوى القاعدي.
وفيما يتعلق بدوران أو حراك النخبة تشهد معظم أحزاب المعارضة شبه جمود في قياداتها حيث تراجع التصعيد والحراك النخبوي أو التجديد للدماء؛ فضلًا عن شيوع قيم الشخصانية والشللية والعائلية".
ويضيف: "رأس فؤاد سراج الدين حزب الوفد الجديد منذ عام 1983م حتى وفاته في يونيو 2000م"، "ومن 1984م رأس أحمد الصباحي حزب الأمة حتى وفاته في يناير2009م.
وفيما يتعلق بالصراع على السلطة والنفوذ تعاني معظم أحزاب المعارضة من استئثار رئيس الحزب بالسلطة المطلقة، فضلًا عن دوره المحوري عند التدخل لإدارة الصراع على النفوذ داخل الحزب، وأبرز مثال على ذلك: ما شهده حزب الأحرار عقب وفاة رئيسه مصطفى كامل مراد، والذي اشتعل الصراع من بعده، ولم يسلم أحد الأحزاب مثل حزبي الغد والجبهة الديمقراطية من هذه الصراعات عندما انشقت مجموعات عن كل حزب لتصبح هناك تيارات متصارعة على رئاسة الحزب".
ويقول: "وإضافة إلى ذلك فإن الكيانات التنظيمية للحزب كالمؤتمر العام والأمانة العامة وغيرها من المسميات: كالمكتب السياسي، وأمانات المحافظات، واللجان الموضوعية لا تنعقد بشكل دوري، وأحيانًا كثيرة لا تنعقد على وجه الإطلاق، والمستويات العليا من تنظيمات الحزب هي فقط التي تنعقد عندما تثار مشكلات مرتبطة بوجودها ودورها، حيث تقوم قيادة الحزب بحشد التأييد والدعم لشخصها في مواجهة المعارضة الداخلية بالحزب، والتي عادة ما تكون من الأجيال الشابة أو من قيادات الصف الثاني الطموح".
ويضيف: "والحقيقة أن السمة الخاصة بغياب أو نقص الديمقراطية الداخلية في الأحزاب لها جذورها في الخبرة المصرية، وفي هذا الصدد خلصت إحدى الدراسات لأحزاب فترة ما قبل 1952م إلى أن كل أحزاب تلك الفترة افتقدت إلى الديمقراطية الداخلية وتركزت السلطة داخلها في المستوى القيادي"، "وقد أدَّى تركيز السلطة في يد المستوى القيادي وتهميش المستوى القاعدي إلى غياب فعالية المستوى الوسيط في كل الأحزاب" (المصدر السابق، 331 - 334 بتصرفٍ) .
5- ضعف البنية التنظيمية للأحزاب:
لا تمتلك الكثير من أحزاب المعارضة المصرية بنية تنظيمية مؤسسية واضحة، فلا تمثيل لها أو مقار في كل المحافظات، ولا تستطيع تقديم مرشحين لها في كل الدوائر أو أغلبها، ولا يمكنها تغطية جميع دوائر مجلس الشعب الانتخابية.
فعلى سبيل المثال: كان عدد مرشحي حزب التجمع في انتخابات عام 2000م: 58 مرشحًا، وحزب الأحرار: 37، والحزب الناصري: 33، وحزب العمل: 39، وحزب الخضر: 7، وحزب مصر الفتاة: 7، وحزب الوفاق: 6، وحزب التكافل: 4، وحزب العدالة الاجتماعية: 3، وحزب الأمة: مرشح واحد، وحزب الشعب: مرشح واحد، وثلاثة أحزاب لم ترشح أحدًا! بينما كان عدد مرشحي الحزب الوطني الحاكم: 433 مرشحًا (المصدر السابق، ص 337) .
6- التشابه في البرامج الحزبية:
أغلب أحزاب المعارضة المصرية تتشابه في الخطوط العامة لبرامجها السياسية باستثناء أحزاب قليلة لها أيديولوجية واضحة: كالوفد، والتجمع والناصري، وحزب العمل. فالمواطن البسيط لا يرى تميزًا واضحًا بين برامج هذه الأحزاب "وربما يكون ذلك هو ما لمسه د. مصطفى الفقي على شكل عتاب رقيق في كتابه: (الرؤية الغائبة) الذي أشار فيه إلى أن الدراسة المقارنة للبرامج التي طرحتها بعض الأحزاب في مناسبات مختلفة تكشف عن درجة من التشابه في الخطوط العريضة، فلا نكاد نجد حزبًا يتخذ موقفًا مختلفًا عن غيره من قضايا ترتبط بالدين والقومية، فضلًا عن أن برامج بعض هذه الأحزاب لا تخلو من شيء من الاضطراب" (المصدر السابق، ص 336) ، هذا رغم اشتراط قانون الأحزاب المنظم لإنشاء الأحزاب في السبعينيات أن يقدم الحزب المزمع تأسيسه برنامجًا جديدًا يختلف عن برامج الأحزاب القائمة.
7- ضعف نسبة تمثيل المعارضة في البرلمان:
فرغم تعدد الانتخابات البرلمانية منذ السبعينيات، فنتائج أحزاب المعارضة فيها ضعيفة، فهناك أحزاب دخلت انتخابات ولم تفز فيها بأي مقعدٍ: كحزب العدالة الاجتماعية، وحزب الوفاق القومي، وحزب الشعب الديمقراطي.
وفي انتخابات برلمان 2005م لم يفز في الجولة الأولى أي مرشح من مرشحي الجبهة الوطنية للتغيير، والتي ضمت أحزاب المعارضة الرئيسية: الوفد، والناصري، والتجمع، والعمل، وعددهم: 89 مرشحًا، وفاز 9 مرشحين فقط لكل المعارضة في الجولة الثانية!
وهذا يشير إلى ضعف الثقة الشعبية بدور أحزاب المعارضة في الحياة السياسية في مصر وعدم اهتمام المواطن المصري بها، وهذا ما أكدته استطلاعات للرأي التي بينت أن نحو 80 % من المواطنين لا اهتمام لهم بتطورات الحياة الحزبية، وأن 76 % لا ينتمون لأي حزب سياسي.
وكان من مبررات ذلك:
أ- عدم الاقتناع بفاعلية هذه الأحزاب، أو بسبب الانتماء لتيار سياسي غير مسموح له بتأسيس حزب كالإخوان المسلمين.
ب- تفضيل المشاركة في العمل العام على المشاركة في العمل الحزبي، كتفضيل الانضمام إلى المنظمات أو الجمعيات الأهلية على الانضمام لحزب سياسي.