مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (3)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن أخطر أسباب انتشار القسوة في مجتمعٍ مِن المجتمعات: انتشار الفواحش، وقد قرن الله -عَزَّ وَجَلَّ- في كتابه بين النهي عن القتل والنهي عن الزنا في مواضع، كما قال -تعالى- في سورة الإسراء: ( وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا . وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا . وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ) (الإسراء:31-33) .
وقال سُبْحَانَهُ في سورة الأنعام: ( وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الأنعام:151) .
وقال في سورة الفرقان: ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) (الفرقان:68-69) .
ومَن تأمل الآيات وتأمل أحوال الناس وجد أن أشد مظاهر القسوة؛ قتل الأولاد من إملاق -أي لوجود الفقر فعليًّا-، أو خشية إملاق -لخوف وجوده وتوقعه في المستقبل-؛ ولذا ذكر سُبْحَانَهُ في الفقر الموجود رزق المخاطبين الآباء قبل رزق الأولاد فقال: ( نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ )، أما في الخوف من الفقر في المستقبل فذكر رزق الأولاد قبل رزق الآباء، فقال: ( وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ).
ولا شك أن قتل أولاد الزنا أضعاف قتل أولاد الزواج، وإضافة إلى الفقر المتوقع بسبب انتشار الزنا -لأنه يمحق البركة- يكون القتل خوف العار، ولا شك أن هذه الجريمة أعظم من قتل النفوس الأخرى، والطفولة البريئة التي لم تعمل الإثم، ثم التي تربطها مع القاتل رابطة البنوة التي جعلها الله -عَزَّ وَجَلَّ- علاقة الفطرية بين الوالدين والأولاد تمنع في الفِطَر السليمة قتل الأولاد أو أذيتهم، ولكن لما كانت الفواحش انتكاسًا للفطرة وتبديلًا لها طمست أثرها في قلب الإنسان حتى يتجرأ على قتل ولده الصغير؛ لأن علاقة الجنس حين تصبح شهوة مجردة عن البناء -بناء الأسرة والفرد- تصبح أداة هدم وتدمير.
ولذا كان فسق كثير من الأمم والشعوب في هذا الأمر سببًا لدمارهم وهلاكهم كما قال -تعالى-: ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) (الإسراء:16) ، وقد قَصَّ التاريخ علينا في الأمم السابقة قصة قرى دفنت بأكملها تحت براكين ثائرة على أوضاعهم في الفواحش -كقرية مومباي المشهورة-، وقد قَصَّ الله علينا في مواضع من كتابه قصة قوم لوط، وكيف كان هلاكهم بسبب الشهوة المحرمة التي لا تحتمل البناء بحالٍ -لأسرةٍ ولا لفردٍ- وهي إتيان الرجال.
وقد أضافوا إلى جريمة إتيان الذكور وترك أزواجهم -مما يؤدي إلى انتشار الشذوذ بين النساء أيضًا- الإعلان بهذه الفواحش وفعلها أمام أعين الناس! قال -تعالى-: ( وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) (النمل:54) ، وقال عنهم: ( أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ ) (العنكبوت:29) ، فنواديهم وأماكن اجتماعاتهم كان معتادًا فيها كشف العورات وفعل الفواحش علنًا! كما يفعل الكفار والفجار في زماننا في حفلات الجنس الجماعي التي زادوا الأمر فيها سوءًا، وزادوا البلاء -في زماننا- بتصوير هذه المشاهد وعرضها على المواقع الإباحية أو مواقع التواصل؛ هذا البلاء الذي لم يسبق له نظير في البشرية قبل ظهور وسائل التواصل، وانتشار الصور والفيديوهات؛ وليسوا يأتون الفاحشة وهم يُبصِرون، بل والعالم يُبصِر! وملايين المشاهدات على المقطع الواحد؛ فكيف بمئات الملايين من المقاطع الفاضحة على عشرات الألوف من المواقع الإباحية التي تخترق البيوت وتخترق عقول الشباب وقلوبهم وأبصارهم بلا ثمن مبذول إلا تدمير المجتمعات وتخريب الآدمية داخل الإنسان؟!
فلذلك يسهل عليهم القتل والاغتصاب والاعتداء للوصول إلى الغاية الحقيرة ثم إرادة التخلص من تبعاتها في الدنيا؛ ويكون القتل بعد الاغتصاب أو بالممارسة الخبيثة تحت تأثير الخمر والمخدرات نهاية قريبة لمثل هذه العلاقات، أو قتل الأولاد الناشئين عن هذه العلاقة المُحَرَّمة قبل الولادة بالإجهاض أو بعد الولادة بالوأد أو بالإلقاء في المزابل وعلى قارعة الطريق أو أبواب المساجد، في مشهد فظيع من أشد مظاهر القسوة!
ويأتي زنا المحارم كصورة مقيتة فظيعة من الإجرام؛ إذ يستغل المُجرِم أسمى العلاقات الإنسانية -كالأُبُوَّة أو الأخوة أو البُنُوَّة أو الأمومة- وهي التي فُطر الإنسان على تجردها عن الشهوة الجنسية -ليتحقق كمال الرعاية والحفظ والعناية-؛ فيستغلها المجرم لتسهيل ارتكاب جريمته لضعف الطرف الآخر أو عجزه أو سذاجته أو رغبته وحرصه على الستر؛ ولذا كانت العقوبة المُغَلَّظة شرعًا في زنا المحارم بتَحَتُّم القتل للتخلص من هذا المقت كما وصفه الله -عَزَّ وَجَلَّ- في كتابه فقال: ( وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ) (النساء:22) ؛ فكيف بالأب مع ابنته أو الأم مع ابنها أو الأخ مع أخته؟! فهي أبشع وأمقَت، وقد أرسل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعض أصحابه برايةٍ فأمَرَه أن يقتل رجلًا نكح امرأة أبيه وأن يخمِّس ماله.