صفات عباد الرحمن (8) تعظيم حرمة الدماء
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الإشارة إلى الشاهد على الصفة من الآيات: قوله -تعالى-: ( وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ) (الفرقان:68) ، قال المفسرون: "لا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها إلا بما يحق قتلها به".
- إشارة إلى أن هذه صفة أخرى من صفات التخلي في صفات عباد الرحمن.. وإلا: ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ) (الفرقان:68) .
- ما أحوجنا إلى نشر هذه الصفة، وقد امتلأت الأرض بالدماء في هذا الزمان (1) : قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ ) (متفق عليه) .
(1) تعظيم الشرع لحرمة الدماء:
- كل الشرائع عظَّمت من حرمة الدماء فبعد ذكر قصة قتل أحد ابني آدم لأخيه قال -تعالى-: ( مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُون ) (المائدة:32) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ ) (رواه مسلم) .
- ولعظم حرمة الدماء، كانت هي أول ما يقضى فيه بين الناس: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، في الدِّمَاءِ ) (متفق عليه) .
- ولأجل ذلك جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعظم ذلك في نفوس المسلمين: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ ) (رواه البخاري) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ) (رواه البخاري) ، وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا، سَفْكَ الدَّمِ الحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ" (رواه البخاري) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يشيرُ أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار ) (متفق عليه) .
(2) أنواع الدماء التي حرَّم الله (الدماء المعصومة):
أولًا: دماء المسلمين:
- جميع المسلمين دماؤهم معظمة: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع: ( إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ) (متفق عليه) ، وقال: ( لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ) (متفق عليه) .
- لذا توعد الله مَن يقتل مسلمًا بأشد العذاب: قال الله -تعالى-: ( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) (النساء:93) (2) .
- دماء المسلمين أعظم الدماء، ولو استهان بها الكفار والفجار في كل زمان: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
وعن نافع قال: "وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى البَيْتِ أَوْ إِلَى الكَعْبَةِ فَقَالَ: "مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ" (رواه الترمذي، وقال الألباني: حسن صحيح) .
- متى يحل دم المسلم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ، الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ ) (متفق عليه) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحدٍ مِن آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه" (تفسير ابن كثير) .
ثانيًا: دماء المعاهدين:
- هي تشمل غير المسلمين ممن يقيمون في بلاد المسلمين، أو دخلوا بلاد المسلمين بأمانٍ وعهدٍ: ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ) (الإسراء:34) .
- الوعيد الشديد لمن قتل المعاهدين؛ لما يسببه من فتنة وفوضى وتشويه لصورة المسلمين: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا ) (رواه البخاري) .
قال ابن القيم -رحمه الله-: "هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان في عهده وأمانه؛ فكيف عقوبة قاتل عبده المؤمن؟!" (الجواب الكافي) .