شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (4)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

العصبية الجاهلية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن أكبر أسباب القسوة والنزاع عبر الزمان: العصبية الجاهلية التي تقسِّم الناس -حُبًّا وبُغضًا، وولاءً وعداءً، وإكرامًا وإهانة- على أساس العائلة والقبيلة، أو الطائفة، أو الإقليم، أو اللون، أو العِرق، أو المذهب، أو الوطن أو القومية؛ دون نظر إلى التقوى، دون نظرٍ إلى التفريق بين الحق والباطل، والعدل والظلم وفق ما أنزله الله من الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال -تعالى-: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة:213) .

( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ): أي: فاختلفوا -كما في الآيات الأخرى-، ( فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ )؛ وذلك ليحكم الرسل بينهم بما أنزل الله من الكتاب، وقال -سبحانه وتعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (الحجرات:13) .

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى ) (رواه أحمد، وقال الألباني: صحيح لغيره) .

والتقوى أساسها: اتقاء الشرك -الذي هو أعظم سبب لغضب الله وعقابه في الدنيا والآخرة-، فلا يكون مُتَّقِيًا مَن كَذَّب الله ورسله، أو كفر بكتبه أو بأحدٍ مِن رسله.

وللأسف تَرَك الناس هذه الدائرة الإنسانية الحقيقية، الرَّحبة الواسعة للحب والبغض، والولاء والعداء؛ التي هي رابطة التوجُّه إلى الخالق الواحد بالعبادة وتصديق جميع رسله؛ تَرَكوا تلك الروابط التي خلقها الله لتكون سببًا للتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، فجعلها شياطين الإنس والجن سببًا للفرقة والبغي والعدوان، والتعالي والكِبر؛ كي تكون أُمَّة هي أَربَى مِن أُمَّة بغير حَقٍّ أنزله الله؛ إنما بمجرد الانتماء إلى العائلة التي يَنتسب إليها الإنسان، أو القبيلة التي نشأ فيها، أو الطائفة والعِرق الذي هو منه، أو اللون الذي يظهر على بشرته، أو الأرض التي يسكن عليها، أو القوم الذين هو منهم، أو المذهب الذي ينتمي إليه!

ولنتأمل حوادث الثأر والقتل الذي يخرِّب البلاد والقرى التي كانت تعيش في أمانٍ ورغدٍ من العيش، فإذا بها تتحول -بسبب الثأر الجاهلي- إلى حربٍ بين أهل البلد الواحد، والمصالح الواحدة، والدين الواحد.

وقد ازداد الأمر سوءًا بترك تطبيق شرع الله بالقصاص -الذي يملكه أولياء القتيل مِن القاتل بعينه دون مَن لم يشارك في القتل مِن عائلته، بعد ثبوت البينة أو الاعتراف، مع فتح باب العفو والصفح عنه لأولياء القتيل؛ لا للمجتمع أو القاضي، وهذا العفو والصفح والصلح يكون على الدية أو مجانًا- كما قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:178-179) .

ثم تحول الناس عن شرع الله في ذلك -القصاص- إلى القانون الوضعي الأوروبي الذي يَرى القتل والجرح حقًّا للمجتمع، وليس لأهل القتيل أو الجريح؛ مع أن الفطرة السليمة تجزم بأن هذا الحق مِن ألصَق الحقوق بوَرَثة القتيل، وهم أكثر مَن تضرر بقتله، وتجزم بتعلُّق حق الجرح بالجريح نفسه وهو المتضرر الأول، ثم أغلق القانون الوضعي المأخوذ من تشريعات أوروبا الجاهلية باب العفو والصفح، وجعل مجرد تخفيف العقوبة دون إلغائها للقاضي دون غيره، مع اشتراط شروط ما أنزل الله بها من سلطان لإيقاع حكم الإعدام -كالإصرار والترصد-.

مع أن الشرع لم يشترط في القصاص إلا العمد، والقتل بما يقتل غالبًا؛ فأدَّى هذا الانحراف إلى تحول المجني عليهم إلى الثأر -وللأسف على الطريقة الجاهلية- مِن قتل أي فردٍ عظيمِ القدر في عائلة القاتل، ولو لم يكن له أي مشاركة أو رأي أو تحريض! بل كان ربما ناهيًا عن القتل، مُحَذِّرًا مِن مَغَبَّتِه، ولكنه يُقتل؛ لأنه كبير العائلة وشهيرها وشريفها! ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ فكان ذلك من مظاهر القسوة الفظيعة التي لا تُحَلُّ إلا بتطبيق شرع الله، وترك العصبية الجاهلية التي وَضَعت قواعد خارج شرع الله في الرابطة بين الناس.

الصفحة التالية