مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (4)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
ولو تأملنا على المستوى الأوسع؛ لوجدنا أن أعظم وجوه القسوة كانت بسبب العصبية الجاهلية؛ فحروب الاحتلال لنهب ثروات الدول الضعيفة واستعباد أهلها كانت بسبب عصبية الرجل الأبيض -الذي هو عندهم "الإنسان"؛ فإذا قالوا حقوق الإنسان فهي حقوق الإنسان الأبيض الأوروبي والأمريكي-، أما الأسود أو الأصفر أو المُلَوَّن فهو خُلِق ليكون عبدًا لدى الأبيض!
ولقد كان لليهود من هذه الجاهلية أكبر نصيب؛ إذ كان تعصبهم للجنس الإسرائيلي واعتباره سيد العالم، وإنما يَشترطون النسب والولادة لأم إسرائيلية يهودية، ولا يَملك الإنسان إذا لم يُولَد كذلك أن يرتفع ويتساوى مع بني إسرائيل؛ فإن أبناء حام في اعتقادهم خُلقوا ليكونوا عبيد العبيد لسادة سادتهم من بني إسرائيل الساميين! وما احتلال فلسطين إلا صورة من صور هذه العصبية الجاهلية ضد المسلمين والعرب أبناء الأَمَة المملوكة -في زعمهم-، مع أنهم هم الذين آووا اليهود ومنعوا عنهم الاضطهاد في المشرق والمغرب عبر العصور، ثم ظهرت -كردود فعل لهذا القدر من الكراهية الهائلة- عصبيات أخرى ضد اليهود، وضد غيرهم.
ولو نظرنا إلى دوافع الحرب العالمية الثانية التي أزهقت أرواح عشرات الملايين من البشر، غير مئات الملايين من الجرحى، وتخريب المدن والبلاد بأسرها؛ لعلمنا أن عصبية علو الجنس الآري الجرماني لدى النازية الألمانية -والتي لا تزال مشتعلة في كثيرٍ مِن النفوس عندهم والتي تريد أن تستعبد كل الأجناس الأخرى- هي السبب الرئيسي في هذا الخراب والدمار والقسوة.
ولو تأملنا إبادة نحو 150 مليونًا من الهنود الحمر -أُمَّة بأسرها!-؛ لوجدنا أن السبب هو إرادة علو الرجل الأبيض، ثم حملات استعباد الرقيق من أفريقيا -وقد خلقهم الله وولدتهم أمهاتهم أحرارًا-؛ فنُقِلوا قسرًا بأبشع صورة وأقساها إلى الأرض الجديدة؛ ليعمِّروها بالقهر والظلم والتعذيب، ومسخ الهوية؛ فلو تأملنا ذلك لعلمنا خطورة هذا السبب من أسباب أبشع أنواع القسوة.
ولقد كانت العصبية التركية -وما ظهر كردٍّ فعل لها من القومية العربية- أواخر الدولة العثمانية أحد الأسباب الرئيسية في انهيارها، والتي إنما حظيت عند نشأتها بمنزلةٍ في قلوب المسلمين؛ لقيامها بالجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الدين -لا الجنس التركي-، ثم لما تحولت إلى هذه العصبية الجاهلية -إضافة إلى الخرافة والانحراف العقدي، ومحاربة دعوات الإصلاح- كانت هذه أسبابًا في هزيمتها والثورة ضدها، ولو بالتحالف مع أعداء الأمة -من الإنجليز والفرنسيين وغيرهم- الذين احتلوا معظم بلاد المسلمين.
ولا تزال آثار العصبية التي نَمَّاها الاحتلال الغربي لبلادنا بين العرب والفرس، والعرب والكرد، والترك والكرد، والعرب والترك، من أعظم أسباب الحروب القاسية، والتي تُعانِي الطائفة المغلوبة المقهورة فيها -أيًّا مَن كانت- ألوانًا من الإهانة والإذلال.
هذا ولا يزال التعصب والتشيع الكاذب لأهل البيت هو السبب الرئيسي لأبشع مظاهر القسوة في إيران والعراق، وسوريا ولبنان واليمن، وأجزاء من الجزيرة العربية، والحروب المدمرة التي تُشَن على خلفية أحداث وقعت منذ أكثر من ألف سنة غُيِّرَت عن وجهها، وكُذِب فيها، وأضيف إليها ما ليس منها؛ لمجرد تهييج العصبية ضد أهل السُنَّة وبث روح الانتقام منهم بزعم أنهم الذين قَتَلوا الحسين وآل البيت، وهم لم يجنوا في حقيقة الأمر أي جناية على الشيعة فضلًا عن أئمة أهل البيت الذين هم من أئمة أهل السُنَّة يُجِلُّونهم ويحبونهم ويحترمونهم ويعرفون فضلهم ويَتبرأون ممن قتلهم وآذاهم أو تبرأ منهم، ومع ذلك فالعمى والعصبية هي السبب فيما نرى، وما الحروب الصليبية القديمة والحديثة وغزوات التتار لبلاد الإسلام إلا صورة من صور العصبية الجاهلية.
والعلاج لهذا السبب الخطير من أسباب القسوة: يتمثل في الامتثال لأمر الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بالحب في الله والبغض في الله، والولاء لله والعداء من أجله، وترك العصبية الجاهلية، وتربية الأجيال على تحريمها، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ ) (رواه مسلم) .
ولا بد من تعميق روح الإنسانية القائمة على التقوى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) (النساء:1) .
ولا بد من ترك الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب واحتقار الناس وازدرائهم على أساس جنسهم أو لونهم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ ) (رواه مسلم) .
نسأل الله أن يكف عن المسلمين كلَّ سوءٍ وأذى.