الفساد (34) الأحزاب والحياة السياسية في مصر (2-4)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد عادت مصر للتعددية الحزبية في السبعينيات بعد أكثر من عشرين عامًا من التنظيم السياسي الواحد في أعقاب ثورة يوليو، التي حلت الأحزاب وحظرت نشاطها.
ولما كانت المنافسة الحزبية تعد أهم مكونات العملية الديمقراطية، والمؤشر على استيعابها من خلال انتخابات حرة يتسابق فيها عددٌ مِن الأحزاب على مقاعد البرلمان، فإن نجاح هذه العملية يتوقف على: مدى المشاركة الشعبية فيها، ومدى تعبير برنامج الحزب الفائز عن رغبات الأغلبية، ومدى إمكانية تداول الحكم بين الأحزاب المتنافسة بعيدًا عن التنافسية الاحتكارية التي يحتكر فيها حزب دون غيره الانتخابات، وهذا يعني سيطرة الجماهير على العملية السياسية، وهو الهدف من العملية الانتخابية.
بنية المنافسة الحزبية: "هي مجموعة الضوابط القانونية والمؤسسية والتنظيمية التي تحدد القدرة التنافسية النسبية لكل حزب، بمعنى قدرة الحزب على كسب الأصوات أو فرصته في التطلع إلى الأغلبية مقارنة بالأحزاب الأخرى".
ولها ثلاثة عناصر، أولها: النظام الحزبي:
حيث تختلف النظم الحزبية من نظامٍ سياسيٍ لآخر، فهناك التعددية الحزبية بوجود ثلاثة أحزاب كبيرة أو أكثر، وهناك نظم تقوم على حزبين كبيرين متنافسين، ومعهما أحزاب أخرى صغيرة، وهناك نظم للحزب الواحد، ما بين نظم شمولية أو نظم سلطوية مسيطرة، وهناك اتفاق على غياب التنافسية في ظل نظام الحزب الواحد، وأن العبرة في المنافسة بحجم التفاعل بين الأحزاب لا بعددها، فقد يكون عدد الأحزاب كبيرًا، لكن التفاعل بينها منخفض.
ثانيها: المؤسسات السياسية:
وهي المؤسسة الانتخابية، والمؤسسة التشريعية، والمؤسسة الحكومية "ويتمثل دور هذه المؤسسات فيما تفرضه مِن قيودٍ على بعض الأحزاب تقلل مِن قدرتها التنافسية، مقابل ما توفِّره من فرصٍ لأحزابٍ أخرى تعزز من قدرتها" (المرجع السابق، ص 15) .
فالمفترض أن هناك علاقة مباشرة صادقة ودقيقة بين عدد الأصوات التي يحصل عليها الحزب وعدد المقاعد المخصصة له في البرلمان، ولكن يمكن أن يكون هناك قدرًا مِن التحريف لهذه العلاقة بحيث يخصص للحزب عددًا من المقاعد أقل أو أكثر من نسبة الأصوات التي حصل عليها، ويرجع ذلك إلى القوانين الانتخابية بشكل مباشر، وإلى طريقة تقسيم الدوائر بشكل غير مباشر، وكلما كانت درجة التحريف كبيرة لصالح الحزب الأكبر، كانت البنية التنافسية بنية احتكارية، وهذا متوقف على دور المؤسسة الانتخابية.
والمفترض أيضًا: أن تكون هنا علاقة مباشرة بين عدد المقاعد التي يحصل عليها حزب وعلى قدرته على المساومة عند الدخول في ائتلاف مع أحزاب أخرى، وتحريف هذه العلاقة متوقف على التفاعل بين الأحزاب، وهو مرهون بعدد الأحزاب وانقسامها بشأن القضايا التي تتنافس حولها، وللمؤسسة التشريعية دورها في تحديد احتمال حصول حزبٍ بمفرده على العائد المتوقع من القوة الانتخابية للحزب أو لا، على قدر التحريف في هذه العلاقة، وهذا يتوقف على دور المؤسسة التشريعية.
والمفترض أن تكون عوائد السياسة ومزايا السلطة التي يحصل عليها الحزب على قدر قدرته على التأثير على سياسات الحكومة، ومزايا السلطة هي المزايا التي يتمتع بها شاغل السلطة، وهناك شبه اتفاق على أن الوجود في السلطة يعد شرطًا كافيًا للحصول على عوائد السياسة والسلطة معًا، في إشارة واضحة إلى فرصة الحزب الحاكم في ذلك، والتفوق في مزايا السلطة وفي القدرة على التأثير على السياسة أدعى إلى تعظيم القدرة التنافسية للحزب المتفوق -أي الحزب الحاكم- على حساب الأحزاب الأخرى، ودور المؤسسة الحكومية يتمثل في تحويل المقاعد إلى عوائد السياسة ومزايا السلطة (المصدر السابق، ص 17) .
ثالثها التنظيم الحزبي:
ويعد أحد مكونات بنية المنافسة الحزبية، حيث يلعب دورًا مهمًا في تحديد القدرة التنافسية للحزب، ويمارس التنظيم الحزبي هذا الدور من خلال:
1- خصائص التنظيم الحزبي: أي: سير العمل أو أنماط العلاقات داخل الحزب، وهناك شبه اتفاق على أن العناصر التي تشكل قدرة أي حزب على تحقيق أهدافه، هي:
أ- دوافع قيادات الأحزاب: فقادة الحزب هم المنظمون لأنشطته، والمفترض فيهم الرشد، وهم يتطلعون لما يعود عليهم من عائد متوقع من جراء تنفيذ سياسات معينة، وكلما اتسمت قيادات الحزب بالديكتاتورية أو كلما قلت القيود عليهم، زاد احتمال تبنيهم كسب الأصوات للحزب والسيطرة على المناصب العامة، وعلى العكس، كلما زادت درجة الديمقراطية داخل الحزب زاد احتمال اهتمام هؤلاء القادة بهدف التأثير على السياسة.
ب- الموارد: وتشمل رأس المال اللازم، وقوة العمل، ويميز أي حزب مدى اعتماده على إحدى هاتين الوسيلتين، ويكون الاعتماد على الوسيلتين معًا بدرجاتٍ متفاوتةٍ، وتشير التجارب إلى أن التفوق النسبي يكون للأحزاب التي تعتمد أكثر على رأس المال، فالاعتماد على رأس المال والتكنولوجيا أكثر بالنسبة لكل الأحزاب من الاعتماد على قوة العمل منخفضة التكاليف، وعلى الحزب اختيار خليط متناسب من رأس المال وقوة العمل.
ج- الناشطون في الحزب:
سواء كانوا هواة أو محترفين، وبحسب الحوافز داخل الحزب كوجود مكافآت مالية أو عوائد من السلطة والسياسة تكون نوعية الناشطين، ووجود المكافآت المالية يجعل وجود هؤلاء الناشطين أيسر، (لكن نظرًا لمحدودية الموارد المالية يفضل قادة الحزب الناشطين ذوي الدوافع الغائية أي الذين يرتفع لديهم دافع السعي إلى السلطة، وبعبارة أخرى: يفضل قادة الحزب هؤلاء الذين يمكن أن يبادلون نشاطهم وتأييدهم للحزب بالوعود المستقبلية التي يجنون ثمارها عندما يفوز الحزب، وبصفة عامة وفي حالة توافر الموارد المالية فإن هذه المكافآت وحدها لا تشبع مطالب هؤلاء، ولا بد من أن يشاركوا في عوائد السلطة والسياسة، والفارق بين مزايا السلطة وعوائد السياسة هو الذي يحدد التوازن في تركيبة الحزب من الهواة والمحترفين، بحيث كلما زادت مزايا السلطة على عوائد السياسة زادت تلقائيًّا -وبشكل نسبي- أعداد المحترفين في الحزب على الهواة" (المصدر السابق، ص 21) .
د- الحوافز: