شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (34) الأحزاب والحياة السياسية في مصر (2-4)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

فالحزب الذي يعتمد في بنائه التنظيمي على قوة العمل يواجه مشكلة تتمثل في كيفية خلق دوافع لدى ناشطيه؛ لأن مكافأتهم مستقبلية، أي: مرتبطة بفوز الحزب، وليست آنية: بمعنى أنها لا يمكن أن تقدم لهم في نفس الوقت الذي يتطلب خدماتهم.

وقد يغري ذلك قادة الحزب بالنكوص في وعودهم فيما بعد، وإذا تولد شك في ذلك لدى الناشطين فسوف يكون أداؤهم دون المستوى، أما الحزب الذي يعتمد أكثر على رأس المال فاحتمال مواجهته لهذه المشكلة يكاد ينعدم، وفي الحالة الأولى لكي يجعل قادة الحزب وعودهم محل ثقة أو كجزءٍ مِن المكافأة فإنهم يعطون أتباعهم دورًا أكبر في اتخاذ القرار (راجع المصدر السابق، ص 18-22) .

ويمكن تلخيص العلاقة بين الخصائص التنظيمية للحزب وقدرته التنافسية في أن مركزية القرارات وغياب محاسبة القيادات ونفاذية قنوات التجنيد تعظم مِن القدرة التنافسية للحزب، والعكس صحيح؛ وذلك لأن الخاصيتين الأولى والثانية تعطيان قيادات الحزب قدرة أكبر على المناورة وحرية أكبر في التصرف ومرونة في التعامل مع المواقف، أما نفاذية بنية التجنيد فتدفع بالدماء الجديدة والعناصر الأكثر كفاءة إلى ترشيحات الحزب، وتبعث الأمل في نفوس الناشطين في الوصول إلى مراكز عليا؛ مما يحملهم على بذل الجهد في أنشطة الحزب" (المصدر السابق، ص 22) .

2- القوة التنظيمية للحزب: أي مدى كون الحزب مؤسسة فعالة في مجال التأثير على الجماهير، وهي تعد محصلة العناصر التنظيمية مجتمعة وترتبط مباشرة بالقدرة التنافسية للحزب (المصدر السابق، ص 23) .

عملية المنافسة الحزبية: ويقصد بها (تحويل إمكانيات وموارد الحزب أي قدرته التنافسية إلى أصوات، أو مبادلة أصوات الناخبين بالبرنامج الانتخابي للحزب، وذلك من خلال اختيارات الناخبين) (المرجع السابق، ص 26) .

"وتنطوي هذه العملية على مجموعة من التفاعلات بين الأحزاب، فكل حزب يتبنى إستراتيجية تمكنه من تحقيق هدفه، وتتحدد هذه الإستراتيجية على ضوء رؤية الحزب لإستراتيجيات الأحزاب الأخرى، ورؤيته لاتجاهات الناخبين، بحيث يمكن القول: إنه كلما تأثرت إستراتيجية كل حزب بإستراتيجيات الأحزاب الأخرى وبرؤية الناخب لهذه الإستراتيجية، كان ذلك أدعى إلى القول بوجود درجة عالية من التنافسية لعوامل، منها: الأول: ضمان تقديم الأحزاب لبرامج تلبي رغبات ومطالب الناخبين. والثاني: هو توسيع فرصة الناخب في الاختيار مما يؤدي إلى تعبير البرنامج الفائز أكثر عن مصالح الأغلبية، وبذلك يتحقق الهدف من الديمقراطية" (المصدر السابق، ص 26) .

بنية المنافسة الحزبية في مصر قبل ثورة يناير 2011م:

بنية المنافسة الحزبية في مصر هي مجموعة الضوابط القانونية والمؤسسية التي تكمن وراء التفاوت بين الحزب الوطني الحاكم وأحزاب المعارضة في القدرة على كسب الأصوات، ويمكن تحديد العناصر الأساسية التي عملت على إيجاد هذا التفاوت في النظام الحزبي والمؤسسات السياسية والتنظيم الحزبي، ويُلاحَظ على هذه البنية في الفترة من 1976 م إلى 1990م، وهي الفترة التي فيها استقرت هذه البنية تقريبًا:

1- وجود التناقض بين قوانين ومؤسسات النظام وبين الواقع العملي والممارسة الفعلية، والذي انعكس في شكل مخالفات دستورية وقانونية، فمن ذلك:

أ- الإعلان عن قيام الأحزاب في نوفمبر 1976م سابقًا على قانون الأحزاب الذي صدر في مايو1977م، وجاء القانون بدوره سابقًا على التعديل الذي أدخل على الدستور في شأن التعددية في مايو 1980م.

ب- مخالفة القوانين الانتخابية (من 1983م- 1990 م) للدستور من حيث الإجراءات والمضمون، ثم صدور سلسلة من القوانين الاستثنائية.

ج - ادعاء التعددية الحزبية بينما طبيعة المنافسة الفعلية صفرية بين الحزب الوطني وأحزاب المعارضة، فروح النظام الأحادي التي سبقت التعددية ظلت هي السائدة رغم هذه التعددية، أي سيطرة نخبة ترى الديمقراطية وسيلة لإعادة تأكيد نفوذها على العملية السياسية، (وفي هذه الحالة تنتفي الحلول الوسط ويصبح اقتسام السلطة غير وارد، ولا ترى هذه النخبة المجتمع من منظور التعدد، وتصبح هي الفاعل الوحيد الذي يمارس التعبئة على الجماهير، وقد ساعد على ذلك استمرار تركز مقاليد السلطة في مصر على طول تاريخ الحياة الحزبية في مصر في يد قوة سياسية واحدة: الوفد قبل 1952م، والتنظيم السياسي الواحد بعد 1952م" (المصدر السابق، ص 60) .

د- إن وجود الحزب الحاكم في السلطة منذ نشأته وتحكم القيادة السياسية في عملية التحول الديمقراطي هو الذي شكَّل بنية المنافسة، وخلق هذا التفاوت في القدرة التنافسية بين الحزب الوطني وأحزاب المعارضة، وليس العكس -كما هو مفترض- أن البنية التنافسية هي التي أوجدت هذا التفاوت.

النظام الحزبي في مصر:

عانى النظام الحزبي في مصر قبل ثورة يناير من قصور واضح في أغلب النواحي، في مقدمتها: تقييد حرية تكوين الأحزاب من الناحية القانونية؛ إذ وضع القانون الأحزاب السياسية رقم: 40 لسنة 1977م عددًا من العراقيل أمام قيام أحزاب جديدة، وتشكلت بمقتضاه لجنة تكوين الأحزاب التي أعطيت صلاحيات لم تقتصر على منع أو رفض قيام أحزاب جديدة، بل جعلت لها إمكانية حل الأحزاب القائمة بالفعل، ورغم تعديل القانون أكثر من مرة إلا أن صلاحيات اللجنة لم تتغير.

يقول الكاتب صلاح سالم زرنوقة: "ويبدو من تشكيل اللجنة: أن الحزب الوطني هو المتحكم في تكوين الأحزاب ،وفي تهديد الأحزاب القائمة بالحل، وهكذا أصبحت المعارضة مهددة من جانب الحزب الحاكم؛ ليس فقط في نشاطها وإنما في وجودها أصلًا، فضلًا عن ذلك فقد أغلق الحزب الحاكم الباب أمام دخول منافسين جدد ينطوي وجودهم على قدرٍ مِن الخطورة.

واكتملت بذلك سلسلة القيود من الناحيتين القانونية والموضوعية، كذلك فإن اللجنة بما أبدته من إصرار على رفض السماح بقيام أحزاب جديدة متعللـة بعدم تمايز برامج الأحزاب التي تسعى إلى الظهور إلى حيز الوجود حيث إن عدد الطلبات التي تم رفضها كان أضعاف التي قبلت، أدَّت إلى لجوء الجماعات التي يرفض طلبها إلى القضاء.

الصفحة السابقة الصفحة التالية