شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (35) الأحزاب والحياة السياسية في مصر (3-4)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتمتلك مصر تاريخًا عريقًا في الممارسة البرلمانية يزيد عن قرنٍ ونصف قرنٍ مِن الزمان، وتاريخًا عريقًا في الحياة الحزبية السياسية يزيد عن قرنٍ، فقد "عرفت مصر أشكالًا من المجالس الاستشارية منذ العقد الثالث من القرن التاسع عشر مع تكوين مجلس المشورة عام 1829م. وفي عام 1866 م أنشأ الخديوي إسماعيل مجلس شورى النواب الذي استمر حتى مارس 1882م. وفي مايو 1883م في ظل الاحتلال الإنجليزي أنشأ الخديوي توفيق مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية. وفي عام 1913م تم إنشاء الجمعية التشريعية التي مارست عملها حتى يونيو 1914م، عندما توقفت الحياة النيابية في مصر بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى، ثم صدر أمر حلها في أبريل1923 م.

ووفقًا لدستور1923م تكون البرلمان من مجلسين: مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وعقد أول اجتماع لكل منهما في 15 مارس عام 1924م، وتتالت المجالس النيابية التي تعرضت غالبيتها العظمى للحل بمرسوم ملكي قبل انتهاء مدتها، وكان آخر حل في أعقاب حريق القاهرة في يناير 1952م، عندما تم حل مجلس النواب في مارس فظلت مصر بدون برلمان حتى قيام ثورة يوليو من نفس العام.

وفي فبراير 1953م تم الإعلان عن مرحلة انتقالية لمدة ثلاث سنوات تم خلالها ممارسة السلطة التشريعية من خلال مجلس قيادة الثورة، وعاشت مصر بدون هيئة تشريعية حتى صدور دستور 1956م، ووفقًا له تم انتخاب أول مجلس نيابي بعد الثورة، وهو (مجلس الأمة) الذي بدأ عمله في يوليو 1957م واستمر حتى مارس 1958م، وعقب الوحدة مع سوريا وصدور الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة في عام 1958م، تم تشكيل مجلس الأمة للدولة الجديدة بقرار من رئيس الجمهورية على أن يكون نصف أعضائه على الأقل من بين أعضاء مجلس الأمة المصري ومجلس النواب السوري.

وبعد الانفصال عن سوريا في سبتمبر1961م عاشت مصر دون برلمان حتى مارس عام 1964م عندما صدر دستور مؤقت قام في ظله مجلس الأمة، واستمر هذا الوضع حتى صدور الدستور الدائم لمصر عام 1971م، وبشكل عام اتسمت الحياة النيابية من عام 1966م بعدم الاستقرار، ولم تعرف النصوص الدستورية التي وردت في دستور عام 1923م -والتي تعطي حقوق الرقابة والتشريع للبرلمان- طريقها دائمًا إلى التطبيق بسبب الصراع بين الملك والوفد قبل ثورة يوليو، وهيمنة السلطة التنفيذية على العمل البرلماني" ("انظر النظام السياسي المصري بين إرث الماضي وآفاق المستقبل"، د. علي الدين هلال، ط. مكتبة الأسرة 2010م، ص 174-175) .

"وعبر هذا التاريخ الطويل شهدت مصر 15 وثيقة دستورية حملت أسماء القوانين الأساسية والنظامية، واللوائح، والأوامر الخديوية والأوامر الملكية، والإعلانات الدستورية والدساتير" (المصدر السابق، ص 30) .

وتعاني مصر -ودول العالم الثالث عامة- من ضعف في المشاركة الشعبية في العمل السياسي، وفي العملية الديمقراطية، ومن ضعف في المشاركة في التصويت؛ سواء في انتخابات مجلس الشعب، أو انتخابات مجلس الشورى.

وذلك لأسبابٍ عديدة، لعل مِن أهمها غير ما تعرضنا له مِن قبل:

1- انتشار الأمية:

فنسبة الأمية والجهل بالقراءة والكتابة في مصر مرتفعة، بل هناك مَن أتم المرحلة الابتدائية من التعليم وما زال في عداد الأميين، ويبلغ عدد هؤلاء عشرات الملايين من المواطنين، وانتشار هذه الأمية يؤثِّر على المشاركة السياسية كما يؤثر على محاولات التنمية.

إن نصف السكان الأميين -على الأقل- يعيشون تحت خط الفقر، ويزحفون إلى المناطق الراقية في صورة عشوائيات، فحي المعادي في القاهرة -مثلًا- كان مثالًا للرقي والنظافة؛ فأصبح محاطًا بالعشوائيات، والأسواق غير الصحية وغير النظيفة، مع فوضى الباعة الجائلين والكلاب الضالة، ومثله غيره مِن أحياء القاهرة التي تشهد هذه الفوضى السكانية في مصر الجديدة ومدينة نصر، بل وحي الزمالك العريق، إلى جانب تزايد سائقي التوك توك والميكروباص الأميين الذين يملأون الشوارع والطرقات والأزقة، وهم يجهلون قواعد قيادة السيارات ولا يلتزمون بها، فيتسببون في الحوادث الكثيرة والأزمات المرورية!

وقد انتقلت حالة الفوضى التي يمارسونها إلى كثير ممن يقود السيارات من المتعلمين، فصارت هي السمة الغالبة عليهم، كما تحولت مشاهد أكوام وتجمعات القمامة في التجمعات السكنية في تلك الأماكن الفقيرة ذات الأمية العالية إلى مناطق أخرى حولها، ولا شك أن هذه النسبة المرتفعة من الأميين والفقراء هم أبعد الناس عن الاهتمام والمشاركة في الحياة السياسية أو العملية الديمقراطية التي لا يسمعون عنها إلا أثناء الحملات الانتخابية من خلال دعوتهم للمشاركة فيها، وهم أبعد الناس حال المشاركة فيها عن استيعاب ما يجب عليهم فيها، وبالتالي لا يهتمون بها إلا فيما يعود عليهم بالنفع المؤقت؛ مما يجعل من السهل التغرير بهم وخداعهم بالرشاوى المالية والعينية، والخدمات والوعود الانتخابية، سواء من الحزب الحاكم في الغالب، أو من أحزاب المعارضة إذا نجحت في تعبئتهم وحشدهم للمشاركة.

"وبالإضافة إلى تلك الآثار السلبية، فإن الأمية المرتفعة في العالم الثالث قد أغرت الحكام على انتقاء بعض المسائل الدستورية التي لا يعيها المواطن، ولا يفهمها فهمًا جيدًا، ثم قاموا بعرضها على المواطنين عن طريق الاستفتاء الشعبي، وغالبًا ما تكون الغاية من الاستفتاء هي: إضفاء الشرعية الصورية على تصرفات أو شخص الحاكم" (انظر: "أزمة القرار السياسي في دول العالم الثالث" د. فضل الله محمد إسماعيل، كلية الآداب دمنهور جامعة الإسكندرية، الناشر: مكتبة بستان المعرفة - كفر الدوار، 2005 م) .

إن "القضاء على هذه الأمية، سيرفع مستوى الذكاء والوعي، والنظافة والنظام والمرور، والتربية، والعلاقات الاجتماعية، والمشاركة السياسية، والعمل والإنتاج، وسيساهم في إصلاح العشوائيات ومقاومة الأمراض وزيادة الوعي الصحي، وسيرفع مستوى الحياة، ويقرب الفوارق الاجتماعية بين الطبقات" (انظر: "هكذا يجب أن تحكم مصر" للفنان التشكيلي د. ياسر شحاتة، دار الثقافة الجديدة للنشر، القاهرة، ط. أولى 2016م، ص 25) .

الاستفتاء الشعبي سلاح ذو حدين:

الصفحة التالية