شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (35) الأحزاب والحياة السياسية في مصر (3-4)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

يعد الاستفتاء الشعبي وسيلة من وسائل الديمقراطية شبه المباشرة، ولكن هناك مَن يراه غير محبذ في دول العالم الثالث؛ لأنه يُستخدم في الغالب كأداة طيعة لديكتاتورية مقنعة لا سند لها في حقيقة الأمر غير موافقات شعبية صورية، إذ يسهل على الحاكم منظم الاستفتاء أن يحصل على التأييد الشعبي الظاهر لشخصه ولسياسته، وللتغلب على العقبات القانونية والمعارضة الوطنية التي تعترض على طريقة حكمه، وذلك باختيار الوقت الملائم للاستفتاء وتكريس وسائل الدعاية والإعلام لتأييد وجهة نظره، إلى غير ذلك من الوسائل التي قد تصل إلى حد تزييف نتائج الاستفتاء لإعلاء كلمته وادعاء شعبيته.

إن سيطرة الحكومات على وسائل الإعلام تجعلها لا تظهر لعامة الناس إلا وجهة النظر المؤيدة لموضوع الاستفتاء المطلوب، ولا تسمح لوجهة النظر المقابلة أو المعارضة بالتعبير عن نفسها، فلا تكون الصورة كاملة أمام المواطنين للاختيار بين الموافقة أو الرفض على بينة بالأمر المطروح للاستفتاء والقيام بالدراسة الكافية له، وهو ما يمكن أن يتم داخل البرلمان من خلال الديمقراطية النيابية، أي بتفضيل نظام الحكم النيابي الخالص في الدول النامية؛ إذ يمكن للطلائع الشعبية الواعية في البرلمان فهم الأمور ومعالجتها.

فالاستفتاء الشعبي يتوقف على مدى نضج الوعي السياسي لجمهور الشعب، فلا يمكن اعتباره شرًّا أو خيرًا في ذاته، وإنما يتوقف تقويمه وثقله على توفر أو تخلف مقوماته وعوامل نجاحه، فهو يمكن أن يكون وسيلة فعالة من وسائل الديمقراطية غير المباشرة، كما يمكن أن يكون أداة خطيرة من أدوات الديكتاتورية، فهو إذا شئنا القول: سلاح حاد يمكن أن يستخدم في الدفاع عن الديمقراطية والذود عنها، كما يمكن أن يستخدم في القضاء عليها والفتك بها. (انظر "أزمة القرار السياسي" ص 36-38)، و للاستزادة راجع: "الاستفتاء الشعبي بين الأنظمة الوضعية والشريعة الإسلامية" د. ماجد الحلو، ط. مكتبة المنار الإسلامية، الكويت"، "نظرات في أنظمة الحكم في الدول النامية" د. عبد الحميد متولي) .

2- الضعف الاقتصادي والتفاوت الاجتماعي:

فالتقدم والازدهار الاقتصادي يكون معه إشباع الحاجات الأساسية، ويتيح للفرد فرصة ومساحة أكبر للمشاركة في الحياة السياسية، ويخفف من التوترات الاجتماعية والفوارق بين طبقات المجتمع، فتتكون أرضية مشتركة ونوع من الاتفاق الجماعي على الأسس الرئيسة التي يمكن أن يقوم عليها المجتمع ويتعايش في ظلها، وبالتالي السماح بتبادل السلطة وتداولها، وانتقالها بطرق سلمية بين أصحاب الرؤى الفكرية المختلفة في المتغيرات والمتفقة في الثوابت.

أما التخلف الاقتصادي وانتشار الفقر وتنامي التفاوت الاجتماعي فهو يعمق من التوتر الاجتماعي من خلال تمتع أقلية بامتيازات مادية ومعنوية تجعلها تعيش في رفاهية وسواد أعظم يعاني من الحرمان، ومن آثار التوتر الاجتماعي الكراهية والرؤية السياسية المعتمة بسبب افتقاد الجماعة السياسية للأرضية المشتركة، مما يزيد من السلبية السياسية ويقلل من مساحة الحريات السياسية، وبالتالي: يضعف المشاركة الشعبية في الحياة السياسية ويجعل التنافس فيها غير سلمي ويتصف بالحدة والعنف (راجع: "أزمة القرار السياسي"، ص 29-32) .

3- ضعف المعلومات والبيانات المتاحة:

يعاني المواطنون من نقص البيانات والمعلومات المطلوبة التي يحتاجونها للمشاركة الإيجابية في الحياة السياسية، خاصة من خلال وسائل الإعلام الرسمية التي عليها دور كبير في عملية التنشئة الاجتماعية والسياسية، حيث تطغى الجوانب السلبية للإعلام على الجوانب الإيجابية نتيجة عدة أمور، منها:

1- سيطرة الدولة على وسائل الإعلام الرسمية، وعلى تقديم المعلومات لها، فلا تتيح منها إلا بالقدر التي ترى السلطة إعطائها لها، فضلًا عن احتمالية تقديم هذه المعلومات بقدرٍ وطريقةٍ تخدم التوجه السياسي الأحادي للنظام الحاكم.

2- المركزية الإعلامية المبنية على تبرير سياسات السلطة أيًّا كان نصيبها مِن الصحة؛ مما يؤدي إلى تزييف الوعي السياسي للمواطنين، فلا تثير النقاشات الجادة حول القضايا العامة ومشاكل المجتمع الكبرى، وتشرك المواطنين فيها؛ ناهيك عن عدم الاهتمام المطلوب لبث القيم وطرح النماذج السلوكية التي تساعد على الممارسة الديمقراطية السليمة.

3- التحدث إلى الناس ولا تتحدث معهم، إذ تنقل رسائل القمة إلى القاعدة دون القيام بالتغذية العكسية، بمعنى: ردود أفعال القاعدة إلى القمة، حتى يتم التفاعل بين الحاكم والمحكوم في رؤيا قضايا المجتمع.

4- إسناد إدارة الوسائل الإعلامية المختلفة إلى مجموعة من الأفراد الذين تربطهم صلة بالفئة الحاكمة فقط، فلا تهتم سوى بتغطية أخبار السلطة وكل ما يرتبط بها دون غيرها.

5- افتقاد المصادر البديلة للمعلومات في ظل سيطرة وسائل الإعلام الرسمي الموجهة من النظام الحاكم.

6- توجيه السلطة للمؤسسة الدينية لخدمة توجهها السياسي، والسيطرة على تعيين الخطباء والأئمة في المساجد والتحكم فيما يخوضون فيه من قضايا؛ مما يوجد فجوة ونقص ثقة بينهم وبين المتلقي عنهم.

7- افتقاد البرامج والأعمال الإعلامية التي تساهم المساهمة الفعالة في غرس القيم السياسية وتقوية الشعور بأهمية آليات الديمقراطية في الحياة السياسية، وتنمية المشاركة السياسية فيها لدى المواطنين.

4- السلطة الأبوية والانفراد بالرأي:

فمن جهة: الرئيس هو مركز القوة يزاول سلطته دون محاسبة أو رقابة جادة من أي هيئة، فالسلطة استبدادية أو تميل إلى الاستبداد، ومن جهة أخرى: فالرئيس يعتبر نفسه (كبير العائلة) فلا يجوز أخلاقيًّا معارضته وقراره مطاع، ولا مانع أن يعامل الرئيس مواطنيه معاملة الأب لأولاده القصر، أي على أنهم غير قادرين على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم؛ لذا فله توجيهم وعقابهم إذ خالفوه؛ لأنهم لا يعرفون مصلحتهم الحقيقية (راجع "أزمة القرار السياسي" ص 42-43) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية