شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (35) الأحزاب والحياة السياسية في مصر (3-4)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

لقد ساهمت الممارسة الاشتراكية في عهد عبد الناصر في اعتماد المواطن على الدولة في تعليمه وتوفير العمل المضمون والسكن الدائم، وفي دعم احتياجاته الأساسية من المأكل والمشرب والملبس، أي تولي كافة شئونه بما فيها شئونه السياسية نيابة عنه، والمواطن ارتضى ذلك واعتاد عليه.

أضف إلى ذلك: طول مدة حكم الحاكم، والتي تبدأ بنزعة مثالية تسيطر عليها الرغبة في التضحية في سبيل المبادئ، ومع استمرار السلطة -وكلما كانت السلطة مطلقة كانت مفسدة- لعبت السلطة بالرؤوس فأسكرتها (المصدر السابق، ص 53) .

يقول د. فضل الله محمد إسماعيل: "إن تمسك الرئيس أو الحزب الحاكم بالحكم لفترة طويلة في الدول النامية يجعل الصدأ يزحف إلى نشاط الحزب وزعمائه وقراراته وأساليب عمله؛ وذلك لطول بقائهم على القمة، مما يضعف نزعتهم المثالية ويصيبهم بالجمود، وذلك ما لم يكن على رأس الحكم شخصية قوية مثل نهرو في الهند" (المصدر السابق، ص 54) .

ويقول: "إن مِن الخطأ تشبيه السلطة السياسية في الدولة بالسلطة الأبوية في الأسرة، فهذه الأخيرة شخصية ترتبط بأشخاص رب الأسرة وأفرادها، أما السلطة السياسية فهي مجردة ودائمة، أي أن السلطة الأبوية تزول بوفاة رب الأسرة أو ببلوغ الأطفال سن الرجولة والاستقلال بأنفسهم. أما السلطة السياسية فهي دائمة رغم تعاقب الأشخاص الذين يمارسونها، كما أن رب الأسرة لا يستطيع أن يتخلى عن سلطته، بينما للحاكم أن يتنازل عن الحكم وقتما شاء)" (المصدر السابق، ص 43) .

ويزيد هذا الأمر سوءًا: أن يكون للحاكم بطانة سوء، وهذا أمر لا يخلو منه ميدان سياسي في كل زمان ومكان؛ لوجود أصحاب النزعة النفعية من الوصوليين والمنافقين، وهم أغلبية، يكثر ويعلو شأنهم خاصة في وجود الحكومات المكونة من العسكريين.

"فهذه البطانة تجعل الحاكم يظن أنه يسير دائمًا إلى الأمام وفي أمان، وأن قراراته وتصرفاته تسودها كلها العدالة والقانون، وأن الشعب في نعيم وازدهار، بينما هو في الواقع على حافة الانهيار، وذلك بسبب أخذه بمبدأ: أهل الثقة فوق أهل الكفاءة!"؛ لذا وصف البعض بطانة السوء بأنها أفيون الحكام! (راجع المصدر السابق، ص 55) .

والمجتمع السلطوي القائم على احتكار السلطة والهيمنة على مجمل الفضاء السياسي ليس فقط مجرد نظام سياسي استبدادي؛ لأن السلطوية "أيضًا ثقافة تغلغلت في نسيج المجتمع، وتسببت في الخوف الشديد من السلطة والخنوع الجمعي، وأسست للوعي الزائف الذي مؤداه أن الجماهير تعجز عن مقاومة الاستبداد، وأنها لا تستطيع اتخاذ المبادرة في المعارضة الجذرية لتغيير سياسات النظام المنحرفة، أو في الانتفاضة الثورية لقلب النظام" (راجع: الفصل السابع "دور المجتمع المدني في الدولة التنموية" للسيد ياسين من كتاب: "التحول في بنية المجتمع المدني بعد الثورات المصرية" تحرير د. يسري العزباوي - مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، ط. 2015م، ص 232) .

و"مِن أجل النهوض بالمجتمع المصري والممارسة الديمقراطية: تحتاج مصر إلى إذابة قيم المجتمع الأبوي، وتكريس قيم المجتمع التشاركي، ومشاركة الشعب في السلطة والحكم، وليس مجتمعًا يتحول فيه الشعب إلى شعب يطيع الأوامر، ولا يعطي نفسه حق المشاركة" (راجع: "هكذا يجب أن تحكم مصر"، ص 40-41) .

5- إضعاف المعارضة وإضعاف تمثيلها في البرلمان:

إذا كانت النظم الشمولية تمنع تعدد الأحزاب، فإن هناك نظمًا في الدول النامية تدعي التعددية الحزبية، ولكنها تضيق ذرعًا بأي أحزاب معارضة إلى جانب حزبها الحاكم المتسلط على الدولة والمهيمن على الحكم فيها، ودأبها إيجاد معارضة صورية ضعيفة مستأنسة، وهذا ما عاشته مصر في عهد مبارك، وهذا ما أثار حفيظة السادات، فاتخذ قرار اعتقال كل رموز المعارضة في 5 سبتمبر 1981م، أي قبل اغتياله بشهر واحد فقط.

ومِن قبلها عمد السادات "في عام 1973م إلى فصل نحو مائتين من الصحفيين بقرارٍ واحدٍ دون أن يكون هنالك صحفي واحد كانت لديه الجرأة أن يعترض، بل إن الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين اجتمعت وبعثت برقية أعربت له فيها عن كل الحب والتأييد، ثم عدل الرئيس عن قراره فأعاد الصحفيين المفصولين إلى أعمالهم بعد أن نضب فيهم معين الشجاعة، وانطفأت فيهم شعلة الحماس، فانتفت الحاجة إلى إقامة رقيب عليهم" (راجع "أزمة القرار السياسي" ص 18-19) .

"إن دول العالم الثالث تقوم نظم الحكم فيها بالإشراف على الصحف إشرافًا كاملًا ودقيقًا، ويستهدف هذا الاحتكار للصحف بصفة خاصة ولوسائل الإعلام بصفة عامة إحكام السيطرة على الرأي العام وتوجيهه بما يتفق وأهداف القيادات السياسية، وتغذية الجماهير بأيديولوجية النظام وحده مع استبعاد جميع النظريات والأيديولوجيات الأخرى التي تتعارض مع أهدافه" (المصدر السابق، ص 19) .

إن تجريم المعارضة بالتشريعات والقوانين والتنكيل بها في كثيرٍ مِن الدول النامية ذات الحزب الواحد، وامتد إلى دول ذات نظام الحزبين حيث كان حزب الأغلبية الذي يتولى الحكم يعمل بكل الوسائل على القضاء على حزب المعارضة قضاءً تامًّا "وقد بلغ الأمر في عهد (نكروما) في غانا إلى حد صدور قانون بتحريم المعارضة استنادًا إلى أن المعارضة تلجأ إلى أساليب تضر بالوحدة الوطنية، وإلى أنها تقوم بترويج إشاعات وأخبار كاذبة، وقد كان جميع زعماء المعارضة في عهده إما في المنفى أو في السجون" (راجع المصدر السابق، ص 48) ، وهذا يحدث بلسان الحال لا المقال، والقوانين والتشريعات الصريحة في كثيرٍ مِن الأنظمة التي لا تقبل أي معارضة فيها.

ومِن الوسائل السلمية لإضعاف المعارضة أو القضاء عليها: التودد والتقرب من رجال المعارضة؛ للانضمام إلى جانب المؤيدين للحكومة بمنح امتيازات للجذب، وحين فشل المحاولة فيمكن اللجوء للشدة والعنف، وكذلك بإصدار قوانين وتشريعات تؤثر على المعارضة وتحد من قدراتها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية