شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفات عباد الرحمن (10) ملازمة التوبة

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الإشارة إلى الشاهد من الآيات للصفة: قال -تعالى-: ( إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا . وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) (الفرقان:70-71) .

- التفسير الإجمالي للآيتين: أن من صفات عباد الرحمن أنهم إذا اقترفوا معصية بحكم ضعفهم البشري، أقلعوا وتابوا وندموا.

(1) الخطأ طبيعة البشر:

- عباد الرحمن بشر يخطئون، لكنهم ممدوحون بالإسراع بالتوبة وملازمتها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، وقال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا على مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران:135) ، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ" (رواه الترمذي والبيهقي) .

- لأن الغفور الغفار، العفو الرحيم رغَّب عباده في التوبة، والمسارعة إليها والتزامها مهما عظمت وكثرت الذنوب: قال -تعالى-: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا على أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر:53) ، وقال: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ) (طه:82) ، وقال: ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) (الشورى:25) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) .

- وجعل جزاء التائبين اعظم الجزاء في الدنيا والآخرة: ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ) (نوح:10-12) ، وقال عن الآخرة: ( أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (آل عمران:136) ، وقال -تعالى-: ( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) (الفرقان:70) .

(2) المقصود بتبديل السيئات إلى حسنات:

مجمل كلام المفسرين في التبديل على وجهين:

- الأول: التبديل يكون في الدنيا، بأن تتبدل أفعالهم وأقوالهم التي كانت مستعدة لعمل السيئات، تتبدل حسنات، فيبدلهم شركهم إيمانًا، ومعصيتهم طاعة، فهي بشارة لهم بأنه سيوفقهم للأعمال الصالحة.

- الثاني: التبديل يكون في الأخرة، بأن تبدل نفس السيئات التي عملوها، ثم أحدثوا عن كل ذنب توبة وطاعة، تتبدل الى حسنات، كما هو ظاهر الآية (تفسير السعدي) .

وقفة مع القول الأول:

- عليه طائفة من السلف -رحمهم الله-: قال ابن عباس -رضي الله عنهما- والحسن ومجاهد وقتادة، وغيرهم: "فيبدلهم بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانًا" (تفسير البغوي، تفسير الرازي، الدر المنثور للسيوطي) .

- كم مِن ذنوب أحدثت توبة صادقة، وتبدل بها حال أصحابها إلى خير حال: توبة كعب بن مالك وصاحبيه، وأثرها بعد ذلك: قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ... ) (متفق عليه) - سميت السورة بذلك تعظيمًا لشأن توبتهم - نزل القرآن يصف عظيم توبتهم وتبدل حالهم - قصتهم تتلى في المحاريب وهم أحياء يرزقون!

- توبة عكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وغيرهم: قالوا: "أَمَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لا أَدَعُ نَفَقَةً كُنْتُ أُنْفِقُهَا فِي صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلا أَنْفَقْتُ ضِعْفَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلا قِتَالا كُنْتُ أُقَاتِلُ فِي صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلا أَبْلَيْتُ ضِعْفَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر، الطبقات الكبرى لابن سعد) (1) .

- توبة الفضيل بن عياض -رحمه الله-: قال: "والله لأجتهدن ألا أعصي الله أبدًا"، وقال: "وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام".

وقفة مع القول الثاني:

- عليه طائفة من السلف -رحمهم الله-: قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "فيمن غلبت حسناته على سيئاته، فيبدل الله السيئات حسنات"، وروي معناه عن سلمان الفارسي، وسعيد بن جبير، وغيرهما (تفسير القرطبي) .

الصفحة التالية