شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفات عباد الرحمن (10) ملازمة التوبة

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- لا يبعد في كرم الله -تعالى- إذا صحت توبة العبد أن يضع مكان كل سيئة حسنة (2) : قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنِّي لَأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كِبَارَهَا، فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَا هُنَا " فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ) (رواه مسلم) .

- حديث أَبِي طَوِيلٍ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: فَقَالَ: "أَرَأَيْتَ رَجُلًا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً إِلَّا أَتَاهَا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: ( فَهَلْ أَسْلَمْتَ؟ ) قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: ( نَعَمْ، تَفْعَلُ الْخَيْرَاتِ، وَتَتْرُكُ السَّيِّئَاتِ، فَيَجْعَلُهُنَّ اللهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ )، قَالَ: وَغَدَرَاتِي وَفَجَرَاتِي؟ قَالَ: ( نَعَمْ ) قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى" (رواه البزار، والطبراني في المعجم الكبير، وصححه الألباني) .

(3) أمور تعين على ملازمة التوبة:

- الإخلاص لله: فإنه يحصن العبد من الزلل: قال -تعالى-: ( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) (يوسف:24) .

- العلم الشرعي وحضور مجالس الذكر فإنه يزيد الإيمان والخشية ويجلب المغفرة: قال -تعالى-: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (فاطر:28) ، وقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث المجالس عن الله -عز وجل- أنه يقول للملائكة: ( فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ ) (متفق عليه) .

- مجاهدة النفس والابتعاد عن مواطن المعاصي وأسبابها والحرص على مواطن الطاعة وأسبابها: ( انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ ) (متفق عليه) ، وقال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت:69) .

- استحضار أضرار المعاصي وعقوبتها في الدنيا: (سخط الخالق - ضيق الرزق - تعسير الأمور وقلة التوفيق - سواد الوجه - ظلمة القلب): قال -تعالى-: ( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) (الشورى:30) .

- الخوف من الموت قبل التوبة واستحضار عاقبة ذلك في الآخرة: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (المؤمنون:99-100) ، وقال -تعالى-: ( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ) (فاطر:37) .

خاتمة:

- ملازمة التوبة من صفات عباد الرحمن، بل كان سيدهم المعصوم -صلى الله عليه وسلم- يلازم التوبة والاستغفار ليل نهار: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، وَأَسْتَغْفِرُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ ) (رواه مسلم وأحمد واللفظ له) .

فاللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قتل عكرمة -رضي الله عنه- يوم اليرموك، وقتل سهيل بن عمرو -رضي الله عنه- شهيدًا في طاعون عمواس.

(2) قاله القرطبي في التفسير. قلتُ: وهذا يكون باعتبار أنه لما أحدث عن كل ذنب توبة فقد أتى حسنة، وبذلك يكون التبديل. والله أعلم.

الصفحة السابقة