الفساد (36) الأحزاب والحياة السياسية في مصر (4-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فآن الأوان بعد سنوات من ثورة يناير أن نعيد النظر في تجاربنا السابقة المتعلقة بالأحزاب السياسية في مصر، فمن بعد ثورة يوليو لم تشهد مصر تجربة حزبية ناجحة؛ إذ كانت كل التجارب صورًا مكررة من نظام حكم فردي لا يؤمن بالتعددية؛ ولهذا فمن الصعب أن يقال: إن مصر عاشت تجربة ديمقراطية حقيقية طوال هذه السنوات.
نعم كانت هناك بعض الظواهر الإيجابية، لكنها لم تصمد أمام تجارب مشوهة قامت على ثوابت الحزب الواحد، ابتداءً بهيئة التحرير والاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي ثم حزب مصر والحزب الوطني.
عاش المصريون في ظل الحزب الواحد أكثر من ستين عامًا حتى تجمدت الحياة السياسية، وسيطرت فئة لم يتغير فكرها ولم تتجدد رؤاها، وترك ذلك آثارًا سيئة على المناخ (اختصارًا من مقال للكاتب فاروق جويدة بالأهرام الأسبوعي - الجمعة 6 يناير2017م - ص 13) .
يقول الكاتب: "في تقديري أن هذه التجارب لم تكن يومًا تدعو للديمقراطية الحقيقية، ولم تكن أحزابًا بالمفهوم الصحيح... كانت تنظيمات فوقية تم اختيارها واختيار كوادرها لدعم السلطة وتأكيد حكم الفرد، ومن هنا انهارت هذه التجارب أمام نكسة 67، وانتهت بخروج الشباب الرافض للهزيمة في مظاهرات تؤكِّد على فشل هذه التجارب... لم يبقَ مِن هذه التنظيمات الهلامية غير تجربة الحزب الوطني، وكان السبب في بقائه أنه استطاع أن يجمع أصحاب المصالح، ويعلن زواج المال والسلطة، وهو زواج باطل.
والغريب أن البعض الآن يروج مرة أخرى لهذه التجارب، ويطالب باستنساخ هذه النماذج رغم أن التنظيم الطليعي، ومنظمة الشباب انتهيا تمامًا! إن بقاء بعض فلول الحزب الوطني لا يعني أبدًا قدرته على الاستمرار كقوة سياسية. إن مصر الآن غير ما كانت عليه فيما مضى" (باختصار من مقال له بالأهرام الأسبوعي - الجمعة 4 مايو2018 م) .
ويضيف: "إن الأحزاب والتجمعات الفوقية قد أثبتت فشلها في تجارب كثيرة؛ لأن الأحزاب الحقيقية لا بد أن تخرج من بين الجماهير وتعبِّر عن إرادتها وأحلامها ومشاكلها ومعاناتها، ولا يعقل بعد عشرات السنين من ثورة يوليو أن يفكر البعض بنفس الأساليب القديمة) (المصدر السابق بتصرف) .
ويقول الكاتب: "أصبحت أخاف من عمليات الفرز الاجتماعي بين شبابنا وقد تحولوا إلى فئات، فهناك فئات تتمتع بوضع خاص في مؤسسات الدولة ما بين المناصب والمكاسب والامتيازات، ولا أحد يعلم على أي أساس يتم ذلك، وبأي منطق: هل هي الكفاءة والقدرات أم الأصل والنسب أم الطبقة الجديدة التي تفرض شروطها على المستقبل كما فرضته على الماضي والحاضر؟" (باختصار من مقال بالأهرام الأسبوعي بتاريخ 4 يناير2019م) .
ويضيف في مقال آخر: "نحن الآن على أبواب مرحلة جديدة، ولا أعتقد أن المناخ السياسي الذي نعيشه الآن هو النموذج الأمثل لدفع الشباب لإنشاء أحزاب جديدة، فما زالت قضية الشباب تواجه تحديات كثيرة؛ بسبب البطالة والظروف الاقتصادية، والتعليم والثقافة والإعلام، وقبل هذا قضايا الأمن، وكلها أسباب حملت مبرراتها، ولكن هذا لا يمنع من تشجيع أي مبادرات تظهر الشباب، وهنا يأتي دور النخبة والمجتمع المدني، فالانسحاب المريب من الساحة شارك في حالة فراغ سياسي لا يتناسب مع أحلام أجيال ثارت من أجل الحرية ورغيف الخبز والكرامة" (من مقال في الأهرام الأسبوعي 12 مايو2017م بتصرف) .
"إن مصر مهيئة لأن تبدأ تجربة ومسارًا جديدًا مع قضايا الحريات، وهذا يتطلب لغة جديدة للحوار بين بعضنا وبعض حول جميع القضايا، حوار يتحول إلى حراك سياسي وفكري وثقافي"، "فإن حالة الصمت التي يعيشها المصريون في مناقشة قضاياهم رفضًا أو قبولًا تهدد مستقبل الأجيال القادمة التي ترى حولها كل يوم شواهد عالم وشعوب تتغير".
"إن الأزمة الحقيقية: أن المسافة كانت بعيدة جدًّا بين سلطة القرار ودعوات الحريات، وهذا خطأ تاريخي يحتاج علاجًا مزدوجًا من الشعب وسلطة القرار.
إن انسحاب النخبة من الشارع السياسي على فترات تحول إلى حالة من إدمان السلبية والانزواء، وربما ارتاحت السلطة لهذا الانسحاب الذي تحول مع الوقت إلى واقع حقيقي بين سلطة لا تريد وشعب لا يقدر".
إنه "رغم التعارض الشديد بين القوى الاجتماعية في مصر، فإن الواقع يفرض على الجميع إعادة الحسابات"، فـ"الواقع الطبقي في مصر الآن يحتاج إلى مراجعات؛ لأن الفوارق الاجتماعية أصبحت عبئًا على كل الأطراف الأغنياء والفقراء ومؤسسات الدولة.
نحن أمام ملايين لها احتياجاتها ومطالبها في توفير حياة كريمة، والدولة تسعى لذلك في حدود ما هو متاح لها، ولكن حين يشتري مواطن فيلا في العلمين بمائة مليون جنيه لا بد أن نسأله: هل دفع ما عليه للدولة من مستحقات؟ وماذا قدَّم للملايين الذين تسعى الحكومة لتوفير مسكن لهم؟!".
"إن الحكومة في حاجةٍ إلى مزيدٍ مِن التواصل مع المواطنين؛ لأن الحوار ضرورة، وواجب الحكومة أن تسمع لأنها فقط تريد أن تتكلم. هناك مشروعات تحتاج إلى الحوار وقضايا لا ينبغي أن تكون من حق طرفٍ واحدٍ". إن "مصر تحلم بواقع سياسي أكثر انفتاحًا... وسوف تظل تحلم بأحزاب حقيقية، تخرج من الشارع المصري بلا وصايا من أحد، وتكون تعبيرًا عن هذا الشعب بكل أطيافه".
"إن أبواب الحوار لا بد أن تبدأ من الإعلام بكل وسائله"، "فهو الذي سيمهد الأرض لظهور أحزابٍ جديدةٍ، ويعيد النخبة إلى مسارها في خدمة قضايا الوطن بعيدًا عن السلبية التي ضيعت فرصًا كثيرة... وقبل هذا فإن المسئولين مطالبون بفتح أبواب مكاتبهم أمام الناس، لا أن يجلس المسئول خلف جدران مكتبه، ويتصور أن هذه هي كل مسئولياته" (باختصار من مقال للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي 4 يناير 2019م) .