مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (8) رفع السلاح على المسلم
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن من أخطر أسباب انتشار العنف المحرم حمل السلاح على المسلمين، ومثله في التحريم حمله على المعاهدين من غير المسلمين، وقد أصبحت المعارك التي يستعمل فيها السلاح الأبيض والناري أمرًا معتادًا في شوارعنا، وكثيرًا ما يترتب عليها قتلى أو جرحى، والتساهل في هذا الأمر من أسباب انتشار عصابات الإجرام التي تتقاتل وتقتل على أدنى منازعة، والجهل بحرمة دم المسلم والمعاهد جهل الإعراض وجهل العاقبة وأحيانًا الجهل الناشئ عن عدم التعلم؛ خاصة في أمر المعاهدين، وإن كان الأغلب الأعم أن الذي يرفع السلاح لا يعبأ بأمر الدماء من مسلم أو كافر، فالجهل بحرمة الدماء من أعظم أسباب انتشار القسوة والعنف.
وأصبح القتل والجرح والضرب سمة للمجتمعات تروج لها الأفلام والمسلسلات التي يقبل عليها الشباب، وهي ترفع من شأن القتلة، ورؤساء العصابات، وتضفي عليهم القدرات الخارقة وحسن القيادة، وهذا يثير إعجاب الناشئة؛ فتمثِّل له الأسوة والقدوة، وبئست القدوة!
ثم الاختلاط بالعصابات الإجرامية يسهِّل الحصول على السلاح، ويسهل استعماله، ويعود الشباب على منظر الدم دون أي وازعٍ مِن دين أو عقل أو نظر في العواقب، ولقد حذر الرسول -صلى الله عليه وسلم- مِن رفع السلاح على المسلمين -وكما ذكرنا المعاهدون في الحكم مثلهم-، وغلظ في ذلك وجعل مَن حمل السلاح على المسلمين خارجًا عن جماعتهم؛ فقال: ( مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا ) (متفق عليه) .
قال النووي -رحمه الله-: "معنى الحديث أن مَن حمل السلاح على المسلمين بغير حق ولا تأويل ولم يستحله فهو عاصٍ ولا يُكفر بذلك، فإن استحله كفر، فأما تأويل الحديث، فقيل: هو محمول على المستحل بغير تأويل فيكفر ويخرج من الملة، وقيل: معناه ليس على سيرتنا الكاملة وهدينا.
وكان سفيان بن عيينة -رحمه الله- يكره قول مَن يفسره بليس على هدينا، ويقول: بئس هذا القول، يعني بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر" (انتهى) .
وهذا الذي ينبغي أن يُستعمل في الخطبة والوعظ والتذكير، أما في دروس العلم وبيان الأحكام فيُبين كلام الإمام النووي -رحمه الله- ونحوه من كلام العلماء.
كما حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من ترويع المسلم والإشارة إليه بسلاح ونحوه جادًا أو لاعبًا، كما روى أبو داود بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ، فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ) (متفق عليه) . وروي: ( يَنْزِعُ ) و( يَنْزِغُ ). ومعنى ينزع يرمي. ومعنى ينزغ: يفسد.
وعنه -رضي الله عنه- قال: قال أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ) (رواه مسلم) . وعن أبي بكرة -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ) قَالَ فَقُلْتُ: أَوْ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: ( إِنَّهُ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ ) (متفق عليه) .
وفي رواية لمسلم: ( إِذَا الْمُسْلِمَانِ، حَمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَخِيهِ السِّلَاحَ، فَهُمَا عَلَى جُرْفِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، دَخَلَاهَا جَمِيعًا )، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ) (متفق عليه) .
وإذا كان أخذُ المتاع لاعبًا محرمًا من أجل ترويع المسلم؛ فكيف بعصابات الإجرام التي تروع الطرقات وترفع السلاح على المسلمين تخويفًا وإرعابًا؟!
وكذا كل مَن يرفع السلاح ظالمًا ويستعمله في غير محله، فعن عبد الله بن السائب بن يزيد عن أبيه عن جده -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لَاعِبًا، وَلَا جَادًّا ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .