مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (8) رفع السلاح على المسلم
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
وقد بيَّن الله -سبحانه وتعالى- حرمة قتل النفس بغير حق في مواضع عديدة من كتابه، فقال -عز وجل-: ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (الأنعام:151) ، وقال -سبحانه وتعالى- في سورة الإسراء في آيات الحكمة التي بيَّن الله -عز وجل- فضلها قال: ( وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ) (الإسراء:33) ، وقال -سبحانه وتعالى- في صفات عباد الرحمن: ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) (الفرقان:68-69) .
والمسلم يحرم قتله بإسلامه إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، والنفس بالنفس، والمعاهد يعصم دمه بالعهد سواء كان عهدًا مطلقًا أو محدد المدة أو عقد ذمة أو عقد أمان؛ فكل هؤلاء المعاهدين قد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن قتلهم، فقال: ( مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ ) (رواه البخاري) ، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ ) (متفق عليه) . وفي رواية: ( أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ، وَأَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: ( الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) (متفق عليه) ، والموبقات: المهلكات.
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ) (رواه البخاري) ، وقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: "إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ الَّتِي لاَ مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا، سَفْكَ الدَّمِ الحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ" (رواه البخاري) .
وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، ورواه البيهقي والأصبهاني وزاد فيه: ( ولوْ أَنَّ أهلَ سماواتِه وأهلَ أرضهِ اشْتَركوا في دَمِ مؤْمِنٍ؛ لأدْخَلَهُم الله النارَ )، وفي رواية للبيهقي: ( لَزوالُ الدنيا جميعاً أهْوَنُ على الله من دمٍ يُسفَكُ بغيرِ حَقٍّ )، وروى النسائي من حديث بريدة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( قَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) ، وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطوف بالكعبة ويقول: ( مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ، وَدَمِهِ ) (رواه ابن ماجه، وقال الألباني: صحيح لغيره) .
وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وعن جُندب بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنِ اسْتَطاع منكُمْ أنْ لا يحولَ بيْنَه وبيْن الجَنَّةِ ملءُ كفٍّ مِنْ دمِ امْرئٍ مسلم أن يُهرِيقه كما يَذْبَحُ به دجاجَةً، كلَّما تَعرَّضَ لِبابٍ مِنْ أبوابِ الجنَّةِ حالَ الله بينَهُ وبينَه، ومَنِ اسْتَطاع منكم أنْ لا يَجْعلَ في بُطْنِه إلا طَيِّباً فلْيَفْعَلْ؛ فإنَّ أوَّل ما يُنْتِنُ مِنَ الإنْسانِ بطْنُهُ ) (رواه الطبراني والبيهقي، وقال الألباني: صحيح لغيره) .
وعن معاوية -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أَنْ يَغْفِرَهُ، إِلَّا الرَّجُلُ يَمُوتُ كَافِرًا، أَوِ الرَّجُلُ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .
وهذا الحديث على ظاهره في الكفار؛ كل مَن مات كافرًا فلا يغفر الله له، طالما قد بلغته دعوة الرسل، قال الله -عز وجل-: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (النساء:48) ، وأما في قتل المؤمن متعمدًا فمحمول على مَن قتله لأجل إيمانه؛ فيكون كافرًا.
وأما مَن قتله على أمر الدنيا ظلمًا وعدوانًا؛ فهذا عليه ثلاثة حقوق:
- حق لله -عز وجل-، فلا بد من التوبة إلى الله -عز وجل-.
- وحق لأولياء القتيل، والواجب فيه أن يسلم نفسه لهم، فإن شاءوا اقتصوا، وإن شاءوا أخذوا الدية، وإن شاءوا عفوا.