الفساد (37) الإعلام من البناء إلى الهدم (1-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيعيش الإنسان اليوم ثورة من الاتصال الإعلامي، لا يتوقف معها الإعلام عن ملاحقة الإنسان للتأثير على عقله واتجاهاته في كل لحظةٍ مِن لحظات النهار أو الليل؛ مِن وقت أن يفتح الإنسان عينيه في الصباح ناهضًا من فراشه، إلى أن يأوي في الليل إلى فراشه مِن جديدٍ، حيث لا تكف وسائل الإعلام عن بثِّ إرسالها وتقديم ما لديها ليل نهار.
ففي الصباح: يستمع إلى الأخبار من المذياع، ويقرأ الصحف اليومية الصباحية، فإذا خرج متوجهًا لعمله واجهته ألوان مختلفة من الدعاية والإعلام: مِن ملصقات ولوحات متنوعة في وسائل النقل، وعلى جانبي الطريق، وجدران الأبنية.
وفي ذروة عمله: لا تخلو أحاديثه مع زملائه من أخبار لم يقرأها فيما قرأ في الصحف أو لم يستمع إليها فيما استمع إليه في الإذاعة، فإن وجد فراغًا شاهد فيه برامج في التلفاز أو استمع إلى المذياع.
وفي المساء: يشد انتباهه مجلة جذابة فيطلع عليها، أو حوار على شاشة التلفاز فيستمع إليه، والمحصلة: أنه يقرأ ويرى ويسمع كمًّا هائلًا مِن المعلومات والأخبار والشائعات التي تَعرض عليه أفكارًا واتجاهاتٍ وفنونًا ودعاياتٍ، تستهدف جذب انتباهه أولًا، والتأثير عليه ثانيًا، وتوجيهه إلى هدفٍ معينٍ مطلوب منه الاستجابة له سلوكيًّا، بعد أن تحاصره حصارًا محكمًا لا قدرة له على الفرار منه أو تجاهله؛ فالإعلام هدفه الأكبر وشغله الشاغل التأثير على الإنسان، وهذا الإنسان يرى أنه لا غنى له عن هذا الإعلام!
كيف يؤدي الإعلام دوره؟
يقوم الإعلام بدوره من خلال مجموعة من الأدوات، لكل أداة وظيفتها، ونجاح الإعلام مرتبط بقدرته على التأثير في سلوك مَن يستهدفهم، وعلى قدر الاستجابة لهذه الوسيلة الإعلامية يكون قدر نجاحها، أما تقييم أداء الإعلام فيرتبط بنوعية تأثيره: هل هو تأثير إيجابي بنَّاء أم هو تأثير سلبي هدام؟
فنجاح الإعلام مرتبط بمدى تأثير كل أداة من أدواته، لكن إيجابية هذا الإعلام مرتبطة بمدى ما يحمله من أفكار وتوجهات ونوعية تأثير، فقد يكون الإعلام ناجحًا في إحداث التأثير، ولكن تأثيره على المجتمع يكون تأثيرًا سلبيًّا هدامًا، أو بتعبير أدق: سلبياته أكبر وأكثر من إيجابياته، وهذا هو المبدأ في تقييم الأداء الإعلامي، وفي الحكم على رسالته ودوره في المجتمع؛ فعلى قدر الأداء والعمل وعلى نوعية الرسالة والتأثير -كلاهما- ينبغي أن يكون التقييم والمساءلة.
فدور الإعلام توصيل رسالة معينة مِن خلال أفكار ومعلومات يتم إرسالها عن طريق رجل الإعلام إلى المستقبِل (المرسَل إليه)، وإقناعه بها، فإن استجاب المستقبل (المرسل إليه) وعمل بمضمون هذه الرسالة، وصبغ سلوكه بها؛ فقد حقق رجل الإعلام غرضه، وإن لم يستجب المستقبل (المرسل إليه) لمضمون هذه الرسالة؛ فقد فشل رجل الإعلام في تحقيق غرضه.
وأدوات الإعلام تتضمن:
1- رجل الإعلام:
فيحتاج الإعلام إلى إعلامي له شخصية مميزة، فهو محل ثقة مَن توجَّه إليه الرسالة الإعلامية، متصف بالاحترام والصفات الخُلُقية الحميدة، مع الخبرة والصدق والتخصص في مجاله، مزودًا بالثقافة والعلم.
2- الفكرة أو الرسالة:
هي أساس العمل، والرسالة تنبع مِن المصدر الذي يوجه العمل الإعلامي ككل، وللفكرة مَن يتولون إعدادها وتجهيزها لتناسب الفئات المستهدفة؛ سواء كانت فردًا أو جماعة أو رأيًا عامًّا.
والأفكار أنواع فهناك:
أفكار سياسية: كنشر فلسفة سياسية أو مبادئ حزبية، أو الترويج لسياسة داخلية أو خارجية، أو الرد على سياسات أخرى مخالفة أو معادية.
أفكار اقتصادية: كنشر مذهب اقتصادي معين كالرأسمالية، أو بيان سياسة تجارية تتعلق بأسهم أو سلع أو مستندات، أو إعلام تجاري.
أفكار اجتماعية: كنشر مبدأ اجتماعي، أو سياسية تتعلق بالأوضاع الاجتماعية، أو بيان سياسية هيئات أو جمعيات، أو لفت الأنظار إلى قضايا أو حالات اجتماعية.
أفكار عسكرية: كالتمهيد لمرحلة عسكرية قادمة، أو تهيئة المجتمع لحرب عامة، أو القيام بحرب نفسية، أو بحرب دفاعية ضد دعاية معادية، أو لرفع الروح المعنوية للشعب أو قواته المسلحة.
وأي فكرة منها تحتاج إلى أن تكون مدروسة علميًّا، ومخططًا لها بعد تحليل اتجاهات وميول الرأي العام بإزائها، ويراعى فيها أن تكون واضحة مفهومة لدى المرسل إليه، وتخدم مصالحه وما يحتاج إليه، متفقة مع أفكاره فلا يجد صعوبة في تصديقها وقبولها، مع اختيار أحدث وأنسب وأفضل وسائل الاتصال التي تضمن تمكنها من تحقيق الاستجابة المطلوبة، وقبل ذلك وبعده فلا بد أن تكون موافقة للصالح العام للدولة والمجتمع، تتفق مع قيمه ومبادئه وأخلاقياته وما ترسخ -أو ينبغي أن يترسخ- فيه من آداب وسلوكيات، حتى يسلك المستقبل للفكرة سلوكًا ترضى عنه الجماعة.
وكمال إعداد الفكرة يكون بدراسة ومناقشة ما يخالفها من الآراء أو يعارضها من اتجاهات بغرض تحصين المرسل إليه مقدمًا من كل ما يعارض هذه الفكرة التي يستقبلها.
3- وسائل الاتصال:
فرجل الإعلام يختار أفضل وسيلة اتصال لتبليغ فكرته متبعًا في ذلك أحدث وأنسب الأساليب العلمية والفنية، وتتمثل وسائل الاتصال في:
1- وسائل مقروءة: كالصحف والمجلات والنشرات، والكتب والملصقات.
2- وسائل مسموعة: كالإذاعة والخطب والندوات.
3- وسائل بصرية: كاللوحات الفنية والنحت.
4 – وسائل مرئية سمعية: كالتليفزيون والسينما.
5 – وسائل شخصية: كالمقابلات والمحادثات.
ويزود العلم هذه الوسائل كل يوم بجديدٍ يساعدها على الجذب وشد الانتباه والتأثير، وانتقالها عبر البحار والمحيطات وفوق الجبال والغابات، لتصل إلى كل إنسان في عقر داره.
ومن هنا أصبح الاتصال بالجماهير علمًا يقوم على أسسٍ مدروسة، يبذل من خلاله الجهد التقني والعلمي والفني لصياغة المادة الإعلامية بأسلوب يقنع عقل المستقبل ويجعل سلوكه متمشيا معها.
4- المرسل إليه:
قد يكون المرسل إليه فردًا أو جماعة أو شعبًا، ويجب على رجل الإعلام دراسة هذا المرسل إليه دراسة وافية، للتعرف على مدى مناسبة الفكرة ووسيلة الاتصال لشخصية المرسل إليه وطبيعته، بناءً على أن لكل فرد أو جماعة أو شعب ذوقه الخاص وثقافته ومفاهيمه ومعتقداته وبيئته وتطلعاته.