الأسباب التي ترجى بها تعجيل الفرج بعد الشدة
الشيخ أحمد فريد • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإذا كان الله -عز وجل- قد وعد بالفرج بعد الشدة، وباليسر مع العسر، وبعده، فلا يتنافى ذلك مع الأخذ بالأسباب التي نرجو بها تعجيل اليسر بعد العسر، والفرج بعد الشدة، فالله -عز وجل- يقول: ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) (الذاريات:22) ، ومع ذلك نأخذ بأسباب الرزق، وكذلك أسباب الرحمة التي نرجو بها دخول الجنة، بل قال الله -عز وجل-: ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ) (هود:6) ، ومع ذلك قال -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (الملك:15) .
فمن الأسباب التي يُرجى بها تعجيل الفرج بعد الشدة، والخير العاجل والآجل في الدنيا والآخرة، من حيث يحتسب العبد، ومن حيث لا يحتسب:
- تقوى الله -عز وجل-:
قال -تعالى-: ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) (الطلاق:2-3) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: ومَن يتق الله فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه يجعل له مِن أمره مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي مِن جهة لا تخطر بباله"، وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: "إن أجمع آية في القرآن: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ) (النحل:90) ، وإن أكبر آية في القرآن فرجًا: ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ). وعن علي بن طلحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ( يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا )، يقول: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة".
وقال الله -عز وجل- في نفس السورة: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ) (الطلاق:4) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: يسهِّل له أمره، وييسره عليه، ويجعل له فرجًا قريبًا ومخرجًا عاجلًا".
فتقوى الله -عز وجل- سبب لتيسير الأمور، وترك التقوى سبب لتعسيرها، كما قال بعض السلف: "إني لأعصي الله، فأجد ذلك في خلق دابتي وامرأتي".
ومن هذه الأسباب التي يرجى بها الفرج العاجل في الشدة: التعرف إلى الله في الرخاء، كما في حديث ابن عباس مرفوعًا: ( تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
قال ابن رجب -رحمه الله-: "وليس المراد بالمعرفة: المعرفة العامة التي هي الإقرار والتصديق والإيمان، وإنما المراد: المعرفة الخاصة التي تقتضي ميل القلب إلى الله -عز وجل- والانقطاع إليه، والأنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له. قال أحمد الأنطاكي: أحب أن لا أموت حتى أعرف مولاي. وليس معرفته الإقرار به، ولكن المعرفة التي إذا عرفته استحييت منه، وفي الجملة: فمَن عامله الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه؛ عامله الله باللطف والإعانة في حال شدته. قال الضحاك بن قيس: اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إن يونس -عليه السلام- كان يذكر الله -تعالى-، فلما وقع في بطن الحوت، قال الله -تعالى-: ( فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ . لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (الصافات:143-144) .
وإن فرعون كان طاغية ناسيًا لذكر الله، فلما أدركه الغرق قال: ( آمَنَتْ ) فقال الله -تعالى-: ( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) (يونس:91) .
قال رجل لأبي الدرداء: "أوصني". فقال: "اذكر الله في السراء، يذكرك الله في الضراء".
وعنه أنه قال: "ادع الله في يوم سرائك، لعله أن يستجيب لك في يوم ضرائك".
- الدعاء مع الاضطرار:
قال الله -تعالى-: ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) (النمل:62) .
قال القاسمي -رحمه الله-: "( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ )، وهو الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الدهر، إلى اللجأ والتضرع إلى الله -تعالى-".
وقال ابن كثير -رحمه الله-: "ينبِّه -تعالى-: أنه المدعو عند الشدائد، الموجود عند النوازل، كما قال: ( وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ) (الإسراء:67) ، وقال -تعالى-: ( ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ) (النحل:53) ، وهكذا قال ههنا: ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ )، أي: مَن هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه.
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "الدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره؛ إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاءً لا يحبه الله؛ لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جدًّا، فإن السهم يخرج منه خروجًا ضعيفًا، وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو وغلبتها علينا. والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل، فله مع البلاء ثلاثة مقامات:
الأول: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه.
الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه".
- كثرة الاستغفار، وكثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكثرة الاستغاثة بالله -عز وجل-:
أما كثرة الاستغفار؛ فلأن البلاء لا ينزل إلا بذنبٍ، وعلاج الذنوب الاستغفار، قال بعض السلف: "إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالاستغفار"؛ لذلك قوله -عز وجل-: ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا . وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا ) (نوح:10-12) .