شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الأسباب التي ترجى بها تعجيل الفرج بعد الشدة

الشيخ أحمد فريد • التزكية

وأما كثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكيف أنها سبب من أسباب زوال الضيق والهم، فعن زيد بن طلحة التيمي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي عَلَيْكَ صَلَاةً إِلَّا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ). فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْعَلُ نِصْفَ دُعَائِي لَكَ؟ قَالَ: ( إِنْ شِئْتَ ) قَالَ: أَلَا أَجْعَلُ ثُلُثَيْ دُعَائِي لَكَ؟ قَالَ: ( إِنْ شِئْتَ ) قَالَ: أَلَا أَجْعَلُ دُعَائِي لَكَ كُلَّهُ؟ قَالَ: ( إِذَنْ يَكْفِيكَ اللَّهُ هَمَّ الدُّنْيَا، وَهَمَّ الْآخِرَةِ ) (أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقال الألباني: صحيح مرسل) .

وأما كثرة الاستغاثة بالله -عز وجل-: فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ قَالَ: ( يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، وعن أسماء بنت عميس قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَنْ أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ أَوْ سَقَمٌ أَوْ شِدَّةٌ , فَقَالَ: اللهُ رَبِّي لَا شَرِيكَ لَهُ، كَشَفَ ذَلِكَ عَنْهُ ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني) .

- التوسل إلى الله -عز وجل- بالعمل الصالح:

قال الألباني -رحمه الله-: "وهذا توسل جيد وجميل، قد شرعه الله -تعالى- وارتضاه"، ثم ذكر أدلة مشروعيته إلى أن قال: "ومن ذلك: ما تضمنته قصة أصحاب الغار، كما يرويها لنا عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوْا المَبِيتَ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لاَ أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا، وَلاَ مَالًا فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ، أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لاَ يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ )، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ، كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: لاَ أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهَا )، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَسْتَهْزِئُ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ ) (متفق عليه) .

قال الشيخ الألباني: "ويتضح من هذا الحديث: أن هؤلاء الرجال المؤمنين الثلاثة، حينما اشتد بهم الكرب وضاق بهم الأمر، ويئسوا مِن أن يأتيهم الفرج مِن كل طريق إلا طريق الله -تبارك وتعالى- وحده، لجأوا إليه ودعوه بإخلاص... فتوسلوا إليه -سبحانه- بتلك الأعمال؛ توسل الأول ببره بوالديه وعطفه عليهما، وتوسل الثاني بعفته عن الزنا بابنة عمه بعد ما قدر عليها، وتوسل الثالث بحفاظه على حق أجرته، التي كانت فرقًا من أرز.

دعا هؤلاء الثلاثة ربهم -سبحانه- بهذه الأعمال الصالحة أي صلاح، والمواقف الكريمة أي كرم، معلنين أنهم فعلوها ابتغاء رضوان الله -تعالى- وحده، لم يريدوا بها دنيا قريبة، أو مصلحة عاجلة، أو جاهًا أو مالًا، ورجوا الله -جل شأنه- أن يفرج عنهم ضائقتهم، ويخلصهم من محنتهم؛ فاستجاب -سبحانه- دعاءهم، وكشف كربهم، وكان عند حسن ظنهم به، فخرق لهم العادات وأكرمهم بتلك الكرامة الظاهرة، فأزاح الصخرة بالتدريج على مراحل ثلاث".

وليت شعري: هل ادخرنا من الأعمال الصالحة التي تستحق أن نتوسل بها إلى الله -عز وجل- في الشدائد حتى يفرج الله عنا؟!

- التوكل على الله:

الصفحة السابقة الصفحة التالية