شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (38) الإعلام من البناء إلى الهدم (2-4)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيعد الإعلام سلاحًا ذا حدين في ظل قدرته الكبيرة على التأثير بما يمتلكه من إمكانيات حديثة متقدمة، وانتشار واسع، فلا يكاد يخلو منه مكان ولا زمان، فإن حمل هذا الإعلام توجهًا إيجابيًّا كان دوره في المجتمع دورًا بناءً، وإن حمل توجهًا سلبيًّا كان دوره في المجتمع دورًا هدامًا.

محنة الإعلام المصري:

هناك ثلاثية (تحكم الآن المشهد الإعلامي: سلطة بلا قرار حاسم فيما يخص الساحة الإعلامية، ورأسمال أهوج ومغامر بلا فكر، وإعلام منقسم على نفسه حتى أصبح مشاعًا، وقد فقد هويته أمام جبروت رأس المال والعبث السياسي وغياب الرؤى).

نحن (نعلم أن الإعلام المصري عاش دائمًا في أحضان الدولة منذ ثورة يوليو، وأن هذا الإعلام لم يتجاوز يومًا منطقة الوصاية، وظل دائمًا يترنح ما بين النقد والتأييد، وما بين الرفض والقبول، وفي أوقات قليلة جدًّا سمح لنفسه أن يتمرد، ولكنه سرعان ما كان يعود إلى حظيرة الدولة التي تعين المسئولين فيه، وتوجه المؤسسات الإعلامية ما بين الرقباء والوزراء والمؤسسات السيادية)، (وللإنصاف فإن هذه الوصاية لم تمنع بعض المؤسسات الإعلامية وعددًا ليس بقليل من أصحاب الأقلام أن تكون لهم مواقف حادة مع السلطة، وبعضهم دفع الثمن من حياته ومستقبله)، (كانت هناك مواجهة صامتة بين الدولة ورأس المال، وكانت حشود رأس المال في حالة اختبار لقدرات القرار والسلطة)، (وهنا ظهر دور الإعلام الخاص الذي تحول إلى ساحة قتال ضارية)، (كانت الدولة -وما زالت- تؤجل مواجهتها مع رأس المال لحسابات كثيرة، واستغل رأس المال الفرصة ليحقق المزيد من الضغوط على الدولة من خلال وسائل الإعلام، وهنا كانت الفضائيات والصحف الخاصة التي جمعت في ساحتها كل أعداء ثورة يناير وأصحاب المصالح في كل العهود البائدة بما في ذلك رموز الحزب الوطني وتوابعه، ولا بد أن نعترف بأن رأس المال كان الأسرع والأكثر كفاءة في مواجهة الدولة، وأمام حالة التخبط وغياب الحسم في مواقف الدولة كان الإعلام الخاص سببًا في حالة الفوضى التي يعيشها الإعلام المصري الآن).

(إن هناك البلايين من الجنيهات التي حصل عليها رجال الأعمال كقروض من البنوك وأقاموا بها الصحف والفضائيات، وهم يهاجمون الدولة ويشوهون صور الأحداث والرموز والبشر كل ليلة!)، (لم يكن رأس المال المصري على درجة كافية من الوعي والفكر والشفافية لكي يمتلك هذا الجهاز الخطير الذي يسمَّى الإعلام، إنه رأس مال عشوائي قام مشروعه على نقطتين: استخدام بعض ضعاف النفوس من الإعلاميين في معركته ضد الدولة، ومحاولة ابتزاز مؤسساتها؛ لتحقيق المزيد من المصالح أو -على الأقل- الحفاظ على ما حققه من مكتسبات في عصور الفساد والتخبط)، ومع شهود الإعلام حالة الانقسام (طفت على السطح كل أمراض المجتمع المصري في سنواته العجاف)، و(تحول بعض الإعلاميين إلى أدوات في أيدي رجال الإعمال أمام إغراءات مالية خطيرة، وهنا غاب الإحساس بالمسئولية وتراجعت قيم الانتماء والأمانة والمصداقية أمام سطوة المال وجبروته) (راجع في ذلك مقالة: "الإعلام بين الرئيس والشعب ورأس المال" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي 6 نوفمبر 2015 م بتصرف) .

الإعلام والسياسة:

(كان الإعلام -وما زال- صناعة أمريكية ابتداءً من نجوم السينما، وكيف تجري عمليات تتويجهم، وانتهاءً بنجوم السياسة وما يدور حولهم من القصص والحكايات والأكاذيب، ولم يكن الإعلام الأمريكي مقصورًا على ترويج النجوم في أمريكا وحدها، ولكنه اقتحم العالم كله، ومنه تعلمت حكومات ودول وشعوب كيف تصنع الأكاذيب وتلفق القضايا! وقد أدين الإعلام الأمريكي في أحداثٍ كثيرةٍ؛ فقد شارك في جرائم دولية من العيار الثقيل، بل إنه لعب أدوارًا في إسقاط زعامات وتتويج زعامات أخرى)، (لم تكن السينما المجال الوحيد، بل انتقلت سطوة الإعلام إلى الأحداث السياسية، وخلقت نماذج من السلوك تجاوزت توقعات وقدرات البشر، ومَن يشاهد أفلام العنف والقتل والجريمة يتأكد أنها غيرت الكثير من طبيعة الحياة وسلوكيات المجتمعات، وصنعت أساطير في كل شيء ابتداءً بالمصارعة الحرة وانتهاءً بأفلام الخرافات، وقد حققت أمريكا من ذلك كله مكاسب كثيرة ابتداءً من الهمبورجر وانتهاء بكنتاكي والجينز، وأنواع البيبسي والكوكاكولا، والوجبات الجاهزة؛ كل ذلك صنعته آلة إعلامية رهيبة، وكان الأخطر من ذلك الحروب التي دارت على الشاشات ولا أحد يعلم هل كانت حقيقية أم خيالًا! لقد تصور الإعلام الأمريكي وهو في عنفوان سطوته أنه قادر على إدارة شئون العالم وليس أمريكا وحدها؛ لأن خبرًا يذاع في (سي إن إن) يهز أركان العالم؛ ولأن حوارًا يجري في قناة أمريكية مع مذيعة شهيرة يقلب موازين الأشياء، وتحول الإعلام الأمريكي إلى أداة لا تغطي الأحداث والنجوم فقط، ولكنها تشارك في صنع هذه الأحداث مع سلطة القرار. لقد تحول الإعلام إلى وسيلة ضغط شديدة التأثير على صانع القرار، حتى إن البعض تصور أحيانًا أنه تجاوز في تأثيره كل مؤسسات الدولة الرسمية والشعبية).

الصفحة التالية