الفساد (38) الإعلام من البناء إلى الهدم (2-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
(إن الخطير في الأمر: أن الإعلام الأمريكي أصبح هو النموذج الناجح والمؤثر في دول العالم وحاولت الحكومات استيراد هذا النموذج في مكوناته ورموزه وتأثيره، وأصبحت هناك مؤسسات مالية تنفق بسخاء على هذا النشاط من أجل إسقاط رموز أو أشخاص أو نظم حكم، وفي أحيانٍ كثيرةٍ وصل الإعلام بأساليبه -وأحيانًا أكاذيبه- إلى نتائج مذهلة تجاوزت في قوتها وتأثيرها سلطة القرار)، (قد تمادى الإعلام في فرض سطوته ليس في أمريكا النموذج، ولكن في دول العالم أمام التقدم التكنولوجي الرهيب في وسائل الاتصال التي أصبحت تمثِّل تيارًا شعبيًّا جارفًا يهدد استقرار الشعوب وسلطة حكامها)، (إن الإعلام هو الابن الشرعي للسياسة -على الطريقة الغربية الميكافيلية- وقد حمل كل ما فيها من جينات الفساد والكذب والتضليل والتلاعب، ولهذا فإنه دائمًا يحوم في حماها حتى لو تعارضت المصالح والأهداف)، (إن العصر الحديث قد شهد زواجًا باطلًا بين المال والإعلام والسياسة، وهذه الثلاثية أصبحت الآن تتحكم في مصائر الشعوب، فلا سياسة بلا مال، ولا إعلام بلا سياسة، ولا مال بلا سلطة، وسوف تبقى هذه الثلاثية تحكم سلطة القرار في العالم. وفي ظل هذه المنظومة على الشعوب أن تدرك أنها فريسة أشكال جديدة من الديكتاتورية والاستبداد بعيدًا عن السجون والمعتقلات واستباحة حقوق البشر).
(هناك غوغائية الإعلام وسطوة المال واستبداد السياسة، وكلها مخاطر تهدد حياة الإنسان المعاصر)، ولكن (لا ينبغي أن نبالغ في أهمية وتأثير الإعلام فقد يصنع نجومًا كاذبة، ولكن وعي الشعوب قادر على الوصول إلى الحقائق وكشف الأكاذيب)، (إن إرادة الشعوب لا يمكن اختصارها على الشاشات وفي برامج التوك شو، وإن التضليل والأكاذيب لا تغني أبدًا عن الحقائق)، (إن الإعلام في العصر الحديث يمثِّل قوة حقيقية في لعبة التوازن بين قوى المجتمع، ولكنه يحمل الكثير من أسباب انهياره إذا تخلى عن الحقيقة وركبته مواكب السماسرة والمزيفين) (راجع في ذلك مقالة: "هل انتهت أسطورة الإعلام" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي الجمعة 18 نوفمبر2016م) .
إعلام الإثارة والإسفاف والإفساد:
يقول الشاعر والأديب فاروق جويدة في مقال له بالأهرام الأسبوعي يوم الجمعة 15 مايو 2015 بعنوان: (مجلس الإعلام وفوضى المسلسلات): (كيف قبلنا في السنوات الماضية هذه النماذج الرديئة من الدراما، سواء في هبوط لغة الحوار أو النماذج السلوكية التي روجت للمخدرات والجرائم والعنف حتى بين الأطفال، وقدمت أسوأ أنواع القدوة في هذه اللغة الهابطة التي أخرجت لنا أجيالًا غريبة على واقع المجتمع المصري الذي كان دائمًا مترفعًا في كل شيء؛ لقد سادت دعوات -تحت راية الفن- أن هذا هو الواقع، وأن الدراما تنقل للشاشات ما يحدث في الشارع، والحقيقة أن دراما الشاشات كانت ترسم واقعًا مريضًا، بل إنها شاركت في انتشار ظواهر كثيرة، مثل: انتشار المخدرات والعنف، والقتل والسحل في الشوارع، واغتصاب الأطفال والتحرش، وكلها ظواهر لم تكن يومًا في حياة المصريين).
ويضيف: (إن أخطر ما في كتابة الدراما الآن أننا أمام نماذج لا تقدر مسئولية الحرية أو الكلمة أو الفن، وهي أمام غياب الموهبة تجرب وترسم الشخصيات وتترك لنفسها تركيب الأحداث بصورة عشوائية تحت دعاوى التجديد والإثارة!).
ويقول في مقال آخر له: (هل نحن أمام نصوص درامية حقيقية كتبها مؤلفون يعرفون معنى الدراما ورسم الشخصيات أم أننا أمام نماذج مشوهة لكتابات ركيكة ساذجة وشخصيات بلا ملامح؟! فبعض المسلسلات أو الأغلب منها بلا فكر على الإطلاق) (من مقال: "مصر في مسلسلات رمضان" - الأهرام الأسبوعي الجمعة 3 يوليو 2015 بتصرف) .
الترويج للمخدرات:
يقول الكاتب في مقاله السابق: (وإذا ابتعدنا قليلًا عن لغة الحوار الهابط فنحن أمام نماذج سلوكية وأخلاقية غاية في السوء. إن الأداء المقنع المتمكن أحيانًا يتحول إلى نموذج سلوكي خاطئ؛ بماذا نفسر جلسات المخدرات بكل أنواعها، والفنانون يؤدون الأدوار بطريقة مخيفة في الإقناع بحيث تتحول إلى دروس حقيقية للأجيال الجديدة في تناول المخدرات؟! هناك فرق بين أن تصل الرسالة بصورة سلبية قبيحة، وأن تصل بصورة غاية في الإقناع، وماذا يعني أن يكون مشهد التعاطي كاملًا في مسلسل تليفزيوني، إن تركيب المخدر، بل وطريقة الحصول عليه واستخدامه والإحساس به ومدى تأثيره، كلها خطوات غاية في الإقناع، وفي الوقت الذي تحارب فيه الدولة ظاهرة الإدمان ككارثة اجتماعية وأخلاقية وصحية، فإن المسلسلات تشجع الشباب وتدعوهم للانضمام إلى صفوف المدمنين، وتقدم لهم في البيوت دروسًا في أساليب التعاطي، وإذا تركنا المخدرات ودنيا الإدمان فإن زجاجات الخمور لم تترك مسلسلا من المسلسلات، وكأنها دعوة للشباب ممن لا تعجبه المخدرات عليه بالكحوليات، وكأن شباب مصر تنقصه كوارث جديدة!
والغريب أنه لا يوجد مبرر إنساني أو درامي لتناول الخمور، خاصة أنها لا ترتبط بواقع اجتماعي أو ظروف اقتصادية تناسب الدور والشخصية والعمل الفني بصورة عامة)، فـ(إذا تركنا عالم الإدمان كنماذج لسلوكيات خاطئة فإن أكثر ما يثير التساؤل ما تتعرض له المرأة في هذه الأعمال من الإهانات، ففي أكثر من مسلسل انتشرت ظاهرة الاعتداء على المرأة بالضرب والتجريح والإهانة، وهو ضرب شديد القسوة على الوجه بالركل والألفاظ السوقية، والسؤال: ما أهمية ضرب المرأة بهذه الوحشية في الأعمال الدرامية؟! أفهم أن ذلك يحدث في الدراما الأجنبية من خلال مشاهد عنف أو جريمة، ولكن ماذا عن ضرب سيدة بيت غلبانة تربي الأبناء بما يرضي الله، ولم ترتكب خطأ أو جريمة، كانت هناك تجاوزات تجسد أعمال العنف، وكأنها جواز سفر لتحقيق مشاهدة أعلى، والحقيقة أنها تعكس سلوكيات مريضة أكثر من فن واقعي).