شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (10) الخمر والمخدرات

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمَن تأمل كثرة ما ورد في السُّنة الصحيحة من الترهيب من الخمر وبيان عقوبتها في الدنيا والآخرة -مع أن الخمر من آخر المحرمات تحريمًا-؛ علم شدة خطر هذا الأمر على المجتمع، وشدة اهتمام الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بعلاج هذا المرض الخطير، ونذكر ما وعدنا به من الأحاديث الواردة في الترهيب والتحذير من الخمر.

- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ السّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُها وهو مُؤْمِنٌ ) (متفق عليه) ، ونفي الإيمان هنا -عند أهل السنة والجماعة- هو نفي للإيمان الواجب، فإن شارب الخمر -باتفاقهم- لا يكفر إلا أن يستحلها، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَبَائِعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ ) (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) ، وزاد ابن ماجه: ( وآكِلَ ثمنِها ).

وذِكْر اللعن دليلٌ على أن: شرب الخمر وسقيها، وشراءها وبيعها، وعصر العنب المتخذ خمرًا، والذي يطلب أن يُعصر له ذلك وهو المعتصِر، وحملها وأن يطلب الإنسان أن تُحمل إليه؛ كل ذلك من الكبائر، وثمن الخمر حرام، بل أكله من الكبائر أيضًا؛ لرواية: ( وآكِلَ ثمنِها ).

وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال: ( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالمُشْتَرِي لَهَا، وَالمُشْتَرَاةُ لَهُ ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) ، وهذا الحديث يدل على حرمة العمل في تجارة الخمر والمخدرات بأي صورةٍ كانت.

وتنبيه مهم في ذلك لمن يعمل سائقًا في بلاد الكفار: أن كثيرًا منهم يحمل الخمر علنًا وهو يركب في سيارة الأجرة؛ فيكون مَن حمل هذا الرجل والخمر في يده حاملًا للخمر، وكذا مَن يعمل في بلاد المسلمين أو الكفار في مصانع صُنْعِها في أي خُطوة من خطوات الصنع، بل بيع العنب لمن يتخذه خمرًا هو أيضًا من الكبائر، فالعمل في مصانع الخمور والتجارة بأي صورةٍ كانت -ولو بنقلها بالسيارات-؛ داخل في اللعن -والعياذ بالله-.

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وهذا الحديث الصحيح يدل على حرمة التجارة في هذه الثلاثة المذكورة؛ فلا يجوز البيع ولا الشراء -ولو بالوكالة- عَمَّن يصنع ذلك.

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ -ثَلَاثًا-، إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَعَنَ الْخَمْرَ، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَمُسْتَقِيَهَا ) (رواه أحمد وابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني) .

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ ) (رواه البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، والبيهقي) ، وهذا الحديث أصرح رد على مَن يزعم أن الخمر تنقسم إلى خمر عنبية -وهي المحرمة-، وخمر غير عنبية -وهي ليست محرمة عند الحنفية-، ويُجوِّز -بطريقة الانتقاء بين المذاهب- للناس أن يشربوا من أنواع الخمر المصنوعة من غير عصير العنب، كما ما يُعرف: بالويسكي، والكونياك، والبيرة، أو غير ذلك، إذا اتُّخِذ من غير عصير العنب، والمخدرات كلها مِن غير عصير العنب، والأقراص المخدرة كلها مِن غير عصير العنب، وكلها بنص هذا الحديث خمر محرمة، تنطبق عليها كل أحكام الخمر؛ من وجوب إقامة الحد، وحرمة الثمن، ولعن مَن أعان على شربها أو صناعتها.

وأما عدم شرب مدمن الخمر في الآخرة: فإما لأنه لا يُوفَّقُ لأن يموت على الإسلام؛ فيموت كافرًا -والعياذ بالله- فلا يدخل الجنة ولا يشربها، وإما أن يكون غير راغب فيها في الآخرة -وإنْ دخل الجنة بعد أن يُعاقب في النار-، قال الخطابي والبغوي: "حُرِمَها في الآخرة وعيد بأنه لا يدخل الجنة؛ لأنَّ شرابَ أهل الجنة خمر؛ إلا أنهم لا يُصَدَّعُون عنها ولا يُنْزِفون، ومَن دخل الجنة لا يُحْرَم شرابَها" (انتهى) .

وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يدخلُ الجنَّةَ مدمنُ خمرٍ، ولا مؤمنٌ بسحرٍ، ولا قاطعُ رَحِمٍ ) (رواه ابن حبان في صحيحه، وحسنه الألباني) ، وعن أنس -رضي الله عنه- قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَلِجُ حَائِطَ الْقُدُسِ مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَلَا الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَلَا الْمَنَّانُ عَطَاءَهُ ) (رواه أحمد، وقال الألباني: صحيح لغيره) ، وفي رواية البزار: ( لا يَلِجُ جِنانَ الفِرْدَوْسِ )، وحائط القدس حائط الطُّهْر مكان في الجنة، وهذا فيه خطر الإدمان؛ ذلك أنه كبيرة متكررة، والحديث حديث حسن.

الصفحة التالية