شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفساد (39) الإعلام من البناء إلى الهدم (3-4)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كان انتشار القنوات الفضائية بعد ظهور القنوات التليفزيونية وراء ازدهار سوق الدراما المصرية خاصة في شهر رمضان، وقد احتكرت هذه الدراما المصرية الأسواق العربية؛ نظرًا لعدم مناسبة الدراما التركية والهندية للعرض في شهر رمضان من جهة، إلى جانب التراجع الكبير في الإنتاج الدرامي السوري نظرًا لما تتعرض له سوريا من أحداث في السنوات الأخيرة، حيث كان الإنتاج السوري في فترة من الفترات منافسًا قويًّا للإنتاج المصري، خاصة في المسلسلات التاريخية.

ورغم هذا الازدهار والاحتكار فقد شهد الإنتاج الدرامي المصري تراجعًا كبيرًا من خلال تأثيره السلبي على المجتمع.

يعلِّق على ذلك الشاعر الأديب فاروق جويدة في مقال له في جريدة الأهرام الأسبوعي يوم الجمعة 24 يونيو 2016م بعنوان: (دراما سيئة... وفن هابط... ومال سايب!) قائلًا: (لا شك أن الدراما التليفزيونية أصبحت الآن في صدارة الإنتاج الفني المصري؛ خاصة أنها جمعت عددًا مِن كبار المنتجين العرب، والفضائيات العربية الذين دفعوا أرقامًا غير مسبوقة للنجوم المصريين، ورغم كل الإيجابيات؛ إلا أن التراجع في مستوى الإنتاج من حيث القيمة الفنية كان واضحًا في السنوات الأخيرة، حتى وصل هذا العام إلى منطقة خطيرة تهدد مستقبل هذا الإنتاج أمام السطحية، وغياب الفكر والمعالجات الحقيقية للواقع المصري والعربي.

ويمكن أن يُقال: إن الجري وراء المال كان سببًا كافيًا لإفساد الكثير من الأعمال الفنية التي وصلت إلى درجة من السوء لا يمكن السكوت عليها، كما أن ضخامة الإنتاج كانت على حساب القيمة ومستوى الجودة).

ويقول في موضع آخر من المقالة: (ومع التوسع في الإنتاج تدفقت رؤوس أموال عربية ضخمة، حتى إن تكاليف إنتاج المسلسلات هذا العام تجاوزت 2 مليار و200 مليون جنيه في أقل التقديرات، وهنا ارتفعت أسعار النجوم، وبدأت منافسة ضارية بين الفضائيات إنتاجًا وتسويقًا وعرضًا).

ويستطرد الكاتب قائلًا: (غابت القيمة واختفت الرسالة وسقط الهدف، وقبل هذا كله افتقدنا الضمير. إن الفن بلا رسالة تجارة خاسرة، والمال بلا مسئولية مال ضائع، وقبل هذا كله؛ فإن الضمير حين يغيب تتوارى كل الأشياء الجميلة وتسقط القيم، وهي أغلى ما يملك الإنسان عبر تاريخه. هناك وسائل كثيرة يمكن أن نجمع منها المال، وهناك طرق كثيرة يمكن أن تجمع ملايين المشاهدين على الشاشات، ولكن حين يصبح الفن مجرد وسيلة لجمع المال؛ فإنه يخسر الغاية والهدف).

ويختتم مقاله بقوله: (لا شك أن أموالًا كثيرة أنفقتها شركات الإنتاج على المسلسلات والإعلانات والنجوم، ولكنه مال ضائع؛ لأنها لم تترك شيئًا في عقول المشاهدين غير المزيد من الفوضى والصخب والضجيج)، (ويبقى عندي سؤال أخير: هل هذه هي مصر التي شاهدناها على الشاشات في شهر رمضان... مصر القتل والدم والفوضى، والدعارة والمخدرات والإدمان، والعلاقات المشبوهة؟!) (المقال السابق بتصرفٍ يسيرٍ) .

(نحن نعيش الآن صورة جديدة من صور الزواج الباطل؛ ليس بين السلطة ورأس المال، ولكن بين رأس المال والإعلام، وربما يكون هذا الزواج هو الأخطر والأسوأ؛ لأنه يضع الإعلام في مواجهة مع الشعب. إن المفروض أن يقف الإعلام مع قضايا الشعب ضد السلطة، وضد رأس المال، وضد كل مَن يحاول أن يعتدي على حقوق هذا الشعب)، (وحين يصبح شريكًا أو بوقًا لرأس المال؛ فهو يتخلى عن دوره ومسئولياته). (في البداية كانت نشأة فضائيات قليلة كان لها دور بارز في تنشيط الإعلام المصري، وقد حاولت هذه الفضائيات أن تلتزم بقضايا المجتمع والتحولات الكبرى فيه، بجانب حرصها على جوانب مهنية وأخلاقية التزم بها الإعلام المصري). و(حين تشابكت العلاقات وامتدت بين السلطة ورأس المال، توسع رأس المال في الدخول إلى الأنشطة الإعلامية، فكان إصدار الصحف الخاصة وفتح آفاق جديدة للفضائيات على أساس أنها تحمل فكر رجال الأعمال وتحمي أنشطتهم وأعمالهم، بل إن البعض اعتبرها في فترة من الفترات وسيلة ضغط على سلطة القرار إذا تطلبت الأمور ذلك. حين قامت ثورة يناير وظهرت مؤشرات وبوادر أن العهد البائد في طريقه للرحيل تخلت حشود الإعلام الخاص عن النظام، ولم تكن حريصة على حمايته أو الدفاع عنه، فقد بدا أمامها أن فرصه في البقاء والاستمرار تبدو مستحيلة). (مِن مقال للكاتب بعنوان: (زواج جديد باطل بين الإعلام ورأس المال) الأهرام الأسبوعي الجمعة 8 يوليو 2016م بتصرفٍ).

كانت الفضائيات الخاصة المصرية في فترة من الفترات بعد ثورة يناير (صاحبة دور كبير في يقظة الشارع المصري، بل والشارع العربي، ومهَّدت لأحداثٍ سياسية كبرى في الوطن العربي كله، وإن كان البعض يرى فيها جوانب سلبية؛ إلا أن هناك إيجابيات لا ينكرها أحد، وهي زيادة الوعي لدى المواطنين. إن الشيء المؤكد أن هذه الفضائيات تعاني الآن ظروفًا مالية صعبة، وأنها تنتقل الآن بين أكثر مِن وريث أو مالك، وقبل هذا تعاني كثيرًا من السطحية وغياب الهدف والرسالة، أمام حالة من التخبط لم تشهدها من قبل، إن ذلك يتطلب أن يقوم أصحاب هذه الفضائيات بمراجعة مواقفها ماديًّا وأدبيًّا وسياسيًّا، خاصة أنها دخلت في حالة من الإفلاس تهدد مستقبلها سواء بيعت أو بقيت مع ملاكها الأصليين).

الصفحة التالية