الفساد (39) الإعلام من البناء إلى الهدم (3-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
لمصر تاريخ طويل في عالم الصحافة يمتد بجذوره إلى القرن التاسع عاشر، ولعبت الصحافة دورًا كبيرًا في تنمية الوعي والفكر في مصر والعالم العربي، وشهدت مؤسساتها الصحفية والتي يعد العديد منها بمثابة مدارس صحفية ظهر فيها كتاب وصحفيون مشهورون، ولكن في السنوات الأخيرة من عهد مبارك (عصفت بها متغيرات كثيرة في سوء الإدارة، واستباحة المال العام، وإهدار القدرات البشرية المميزة، وتكدس العاملين في مؤسسات تعرضت لعملية استنزاف لمواردها وقدرات العاملين فيها. كان من أخطر مظاهر التراجع في صحافة مصر: تراجع مستوى التوزيع، بحيث وصل إلى أرقامٍ لا تتناسب مع تاريخ صحافة وصلت في يوم من الأيام إلى رقم المليون توزيعًا في اليوم الواحد)، فقدت الصحافة الورقية مكانتها (أمام أسباب كثيرة، منها: تراجع المستوى المهني والحرفي في العمل الصحفي، وسوء الإدارة والتعيينات بلا حاجة أو أسباب، وقبل هذا كله، فإن سوء استخدام موارد الصحف في عهودٍ مضت كان سببًا في تراجع مستواها مهنيًّا وماليًّا، لقد أسرفت الصحف جميعها وبلا استثناء في استخدامها مواردها المالية ما بين هدايا للمسئولين للبقاء في المناصب، والسفريات والرحلات، وكلها مظاهر من البذخ وسوء الإدارة)، و(رحيل الكتاب الكبار خلال السنوات الماضية)، و(وجود حلقة مفقودة بين الأجيال الصحفية؛ سواء بسبب المناصب أو القرب والبعد عن السلطان، وقد أدَّى ذلك إلى تهميش وجوه كثيرة من أصحاب المواهب الحقيقية لم تأخذ فرصتها التي تستحقها في الظهور أمام القارئ، بل إن البعض تم استبعادهم تمامًا، وبسوء قصدٍ أمام نفوس مريضة وطموح كاذب، وهناك أسماء دفعت ثمن تميزها وقدرتها الفريدة في بلاط صاحبة الجلالة).
كما (كان التداخل بين الإعلانات والتحرير من أهم أسباب فقدان الصحافة المصرية لأهدافها الحقيقية، وقد سيطرت أموال الإعلانات على المؤسسات الصحفية؛ مما أعطى رجال الأعمال ورأس المال فرصًا للتدخل في شئون الصحافة المصرية، بل وصل الأمر إلى تعيين المسئولين عنها لدى سلطة القرار.
وقد وصل الأمر أحيانًا إلى تفكير الدولة في بيع المؤسسات الصحفية للمستثمرين ورجال الإعلام، وكان ذلك حساب المستوى المهني، بل والمستوى الأخلاقي في تعامل الصحافة مع قضايا الوطن). (ارتبطت المؤسسات الصحفية دائمًا بإدارات مسئولة من الناحية المالية والإدارية، ولكن جاء عليها وقت فقدت عناصرها الإدارة الرشيدة)، (وكان جمع منصب رئيس التحرير ورئيس مجلس الإدارة من الأخطاء التي أفسدت الاثنين معًا: الإدارة والتحرير)، و(حين فقدت الصحافة رموزها الكبيرة لم تكن هناك بدائل تملأ الفراغ، وحدثت قطيعة بين الأجيال، ولم تجد الأجيال الصاعدة المساعدة من أجيال سبقت على المستوى المهني والثقافي، بل إن الأجيال الجديدة في بلاط صاحبة الجلالة في مصر لم تجد مَن يأخذ بيدها مهنيًّا وثقافيًّا ورسالة ودورًا، وهنا تخرجت أجيال جديدة اختارت أن تكون ظلالًا في وسائل الإعلام الأخرى، مثل: إعداد البرامج في الفضائيات، وقد حدث تداخل شديد بين ما يجري في الإعلام الفضائي من أخطاء وما انتقل إلى صاحبة الجلالة من أمراض الفضائيات). ورغم المساحة المتاحة من الحريات (ولكن القصور أحيانًا يأتي من الأيادي المرتعشة، وهذا ميراث طويل خلفته سنوات الخوف والرقابة، ولا ينبغي أن نصل إلى هذه الحالة مرة أخرى) (راجع في ذلك مقالة: "ثقوب في ثوب صاحبة الجلالة" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي الجمعة 7 سبتمبر 2018 م بتصرف) .