الفساد (39) الإعلام من البناء إلى الهدم (3-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
(ما بين الإعلام والإعلان علاقة وطيدة؛ لأن كليهما لا يستغني عن الآخر رغم التعارض الشديد في الدور والرسالة والمسئولية، ولكن التداخل في طبيعة العمل الإعلامي والإعلاني وصل بهما إلى منطقة واحدة من حيث الأهمية والتأثير، رغم خطورة هذا التداخل الذي أفسد دور الإعلام وشوه طبيعة الرسالة الإعلامية).
وقد ثار الجدل (حول الصورة السيئة التي ظهر بها الإعلان المصري، وكيف تحول إلى وحش كاسر اجتاح في طريقه الكثير من الثوابت والتقاليد، بل والأخلاقيات التي ينبغي أن تحكم هذه النوعية من الأنشطة).
هناك فواصل وحدود تحدد دور الإعلام ومسئولية الإعلان:
أ- فالإعلام نشاط ثقافي وفكري هدفه الحقيقة، وهي مسئولية أخلاقية. والإعلان نشاط تجاري هدفه الإعلان والترويج.
ب- الإعلام يلتزم بالوقائع، والإعلان لا يرفض المبالغة للوصول إلى الهدف.
ومنذ اختلطت الأدوار؛ أصبح الإعلام دعاية، (لقد تحول الإعلان إلى وسيلة إعلامية لتضخيم الأدوار وتزييف الحقائق، وتسربت الصفحات الإعلانية لتأخذ الدور الإعلامي، ولجأ المسئولون في مؤسسات الدولة إلى شراء الصفحات الإعلانية تحت شعار إعلامي؛ فزيفوا الحقائق وقدَّموا للناس أوهامًا وأحلامًا أبعد ما تكون عن الحقيقة، من خلال الإعلانات الكاذبة عن مشروعات وإنتاج وأرقام أبعد ما تكون عن الحقائق، وأصبح مندوب الإعلانات في الصحيفة أهم وأخطر من أكبر كاتبٍ فيها). (وخسرت الصحافة في ظل هذا الخلط الكثير من مصداقيتها، وخسر الإعلان شفافيته ومسئولياته). و(في ظل الإعلانات الكاذبة تحولت الصحافة أحيانًا إلى أبواق لصاحب القرار، وأمام إغراءات مالية مذهلة أصبح سوق الإعلانات أهم كثيرًا من كل ما يكتب أصحاب الفكر. خضعت الصحف لسطوة الإعلان تحت دعاوى تغطية النفقات، وتمويل النشاط الإعلامي، ومع هذا خضعت أيضًا لسطوة المسئولين الذين يدفعون الملايين في حملات إعلانية لتجميل القبح وتشويه الحقائق)، (جاء هذا على حساب المادة الإعلامية ممثلة في الخبر والرأي والتحليل والتعليق والخدمات الصحفية المختلفة، وقبل هذا كله على حساب المصداقية، وهي أهم عناصر النشاط الإعلامي) (راجع في ذلك مقالة: "الإعلانات ومأساة الإعلام المصري" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي الجمعة 15 أغسطس 2014م بتصرفٍ) .
(كانت المهزلة الأكبر ما فعله الإعلان بالفضائيات والقنوات التلفزيونية؛ فقد بدأ سيطرته بالتدريج حتى أصبح مهيمنًا على كل أنشطة الفضائيات ابتداءً بالبرامج وانتهاءً بالمسلسلات، مرورًا على أسعار المذيعين في سوق الإعلام، إن سعر المسلسل الآن يتحدد على ضوء الإعلانات التي يمكن الحصول عليها، وبدا النجوم الكبار يسوقون المسلسل بإعلاناته وليس بما فيه من مقومات فنية أو درامية أو قيم أخلاقية. وقد ترك ذلك آثارًا سيئة على المستوى الفني للأعمال)، (ولعل ذلك كان سببًا في ظهور أعمال فنية هابطة من حيث القيمة، وقد كان ذلك سببًا في دخول أسماء كثيرة لمجالات الإنتاج الفني وهي غير مؤهلة لهذه الأنشطة فكرًا وذوقًا ورسالة، ونجح الإعلان في ترويج الفن الهابط وتشجيع الإنتاج، وقبل هذا كله؛ نصب المال سلطانًا على كل أسواق الفن ابتداءً بالسينما وانتهاءً بالمسلسلات. لم يكتفِ الإعلان بهذا الدور السيئ، ولكنه تسلل إلى البرامج، وأصبح أداء المذيع بحجم ما يجمع في برنامجه من الإعلانات دون تحديد قيمة البرنامج أو ما يقدمه للناس، وحين تحولت المسلسلات إلى صفقاتٍ تجاريةٍ، وأصبحت الأفلام مشروعًا تجاريًّا، وأصبح البرنامج يباع دون النظر لقيمة ما يقدِّم سيطرتْ مافيا الإعلانات على سوق الفن في مصر إنتاجًا وترويجًا ونجومًا) (المقال السابق بتصرفٍ) .
(وفي ظل كوارث الإعلانات حدثت انقسامات خطيرة في السلم الاجتماعي في مصر. نحن أمام شاشات تثير الحقد الطبقي بكل ألوانه وأنواعه، نحن أمام أنواع من الأطعمة الجاهزة لا يقدر عليها بسطاء الناس، ورغم هذا يلح عليهم آلاف المرات كل يوم، ويشاهد الأطفال الصغار من أبناء العشوائيات نماذج مستفزة من المشروبات والأطعمة، نحن أمام أنواع من الفيلات والقصور وأسعارها المحبطة بالملايين، وهناك 13 مليون شاب بلا عمل، نحن أنواع من السيارات والملابس التي تطارد البسطاء كل يوم على الشاشات).
هناك (الإعلانات المستفزة التي تشجِّع الإنفاق والإسراف، بل والسفه، والأغرب من ذلك: تلك الإعلانات التي تسيئ للغة الحوار، والكلمات الفجة التي تتسم بالسوقية والابتذال!)، لقد (تحول العشرات من الصحفيين الأكفاء إلى مندوبي إعلانات حتى إن جهاز الكسب غير المشروع تدخل في القضية؛ لأن عددًا كبيرًا من الصحفيين جمعوا أموالًا ضخمة من الإعلانات، والجهاز يحقق في شرعية هذه الأموال، وأحقية أصحابها بها). (كان الإعلان سببًا في تقليص دور المادة الإعلامية وتشويه دورها، واختزاله في كل الوسائل).
(إن اختيار البرامج على ضوء ما تجمع من الإعلانات بعيدًا عن قيمتها ورسالتها قد هبط كثيرًا بمستوى البرامج على شاشات الفضائيات)، (وما يجري الآن بين أجهزة الإعلام بكل أنواعها ومعاركها الدائمة من أجل الحصول على صفقة إعلانية يمثِّل الخطر الحقيقي على الإعلام المصري الذي تحول إلى لعبة في يد مَن يملكون الآلة الإعلانية الجهنمية التي سيطرت على عقول الناس) (المقال السابق بتصرف) .
تراجع الصحافة المصرية: