شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحسد آفة عظيمة

حسن حسونة • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالحسد آفة خطيرة، وداء عظيم؛ إذ لو أصيب به المرء يحلق دينه كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، فلا يجتمع الإيمان في قلب العبد ومعه الحسد، فإذا حل الحسد ارتفع الإيمان وتجرد قلب العبد من الإيمان؛ لأن قلبه سيمتلئ حقدًا وبغضًا وكراهية لمن يحسده! فكم من بيت يشتكي، وإنسان يمرض ويتعب، وكم من أسرة تفككت وتشرذمت؛ بسبب عين الحاسد، والمشتكي لا يدري مِن أين العلة!

إنسان رقيق الدين والإيمان، رأى فلانًا هذا وسَّع الله له وآتاه الله من فضله في مالٍ أو ولد، أو زوجة أو صحة وعافية، فلم يعجبه ذلك، ولو يقنع بما آتاه الله ولم يومن بقدر الله، فأخذ ينظر إلى هذا المسكين نظرة حقد وحسد على ما آتاه الله ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (النساء:54) ، ( وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ) (القلم:51) .

لقد رفع الله الناس بعضهم فوق بعض درجات في الرزق والعطاء، والصحة والولد، ولا يظلم الله الناس شيئًا، فهو الحكيم الخبير، حكيم في تصرفه، خبير بأحوال عباده الظاهرة والباطنة، فمِن الناس مَن لا يصلحه إلا الغنى، ومنهم من لا يصلحه إلا الفقر، ومنهم من لا يصلحه إلا الصحة، ومنهم من لا يصلحه إلا المرض ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك:14) ، ( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ) (النحل:71) ، فالواجب علي المسلم أن يحقق كمال الرضا بالله وعن الله، ويقنع بما آتاه الله، ولا ينظر إلى نعم الله على عباده خشية أن يزدري نعمة الله عليه.

ثم هل الناس سيعيدون قسمة الله بين عباده؟! ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ) (الزخرف:32) ؛ فهذا تقسيم الخبير العليم -جل وعلا-، فما على العباد إلا الانقياد والتسليم، والإذعان والقبول.

ومن المعلوم أن الحسد أول ذنب عصي به الله في السماء بعد الكبر والعلو، وذلك حينما حسد اللعين إبليس آدم -عليه السلام- حينما أمر الله من في السماء بالسجود لآدم، فسجدوا إلا إبليس قال حينها: ( أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) (الأعراف:12) ، فمسخه ولعنه وطرده من رحمته.

ويزداد الأمر خطرًا إذا علمت بأن ابن آدم الأول حسد أخاه، وأدى به الحسد أن يحمل الأخ على قتل أخيه ( فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (المائدة:30) ، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ ) (متفق عليه) ؛ ذلك هو الخسران المبين، فالأمر صعب وخطير أن ينتشر هذا الداء بين الإخوة والأخوات، بين الأحبة والأصدقاء، بين الزملاء في الأعمال والأشغال .

ومع ذلك الخطر، يزداد خطرًا إذا علمت بأن الداء خلق للأمة الغضبية اليهود، فقد أخبر الله عنهم: ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) (البقرة:109) ، يفعلون ذلك لأجل الحسد الذي في قلوبهم تجاه نبينا -صلى الله عليه وسلم- وتجاه أمتنا؛ أمة الإسلام خير الأمم وأفضلها وأزكاها، يحسدون الأمة على اجتماعها يوم الجمعة الذي هدانا الله له، ويحسدوننا على قولنا: "آمين" وراء الإمام، ويحسدوننا على صيامنا وحجنا! ألا لعنة الله على الظالمين.

فالحسد آفة ابليسية، وآفة يهودية، وأول ذنب عصي الله به في الأرض، فالأمر ليس بالهين ولا بالسهل حينما يتمنى إنسان زوال نعمة أنعم الله بها على فلان أو علان؛ فهذا قلب عليل، ليس به صفاء ولا نقاء.

وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من الحسد وبيَّن خطره، فقال: ( لَا تَحَاسَدُوا ) (رواه مسلم) ، وقال: ( الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ ) (رواه مسلم) ، وقال: ( الْعَيْنُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَتُدْخِلُ الْجَمَلَ الْقِدْرَ ) (أخرجه أبو نعيم في الحلية، وحسنه الألباني) ، أي تتسبب في ذلك بتقدير الله السابق له، وكل شيء خلقناه بقدر.

وإذا أردت أن تقف على أسباب الحسد، فأقول لك:

أولًا: عدم الرضا بقضاء الله وبقدره من الرجل الحاسد، فإنه لم يقنع بما آتاه الله؛ فينظر إلى الآخرين نظرة حقد وحسد وتمني لزوال هذه النعم، وعلاجها كامن في الرضا بالقدر والقناعة بما آتاه الله، فيكن سليم القلب لإخوانه وأحبابه.

الثاني: قد تكون عداوة بينه وبين فلان أو علان، فنال منصبًا أو علاوة أو غير ذلك، فحمله العدوان على حسده، وعلاجه: أن يكون المسلم سليم القلب للمسلمين، فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، وتحقيق معاني الأخوة الإيمانية التي لا تكتمل حتي يحب لأخيه ما يحبه لنفسه.

الصفحة التالية