شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحسد آفة عظيمة

حسن حسونة • التزكية

الثالث: قد يكون منا نحن السبب، وهو أن نستجلب لأنفسنا الحسد بقصدٍ أو بغيره، حينما ينشر البعض منا أخباره وأحواله، وصور أولاده وبيته على السوشيال ميديا -الفيس والانستجرام والوتس، وغير ذلك-، فيجعلها عرضة لجميع الخلق، فهناك مَن يحبونك، وكثير في قلوبهم مرض، فربما يكون هذا بسبب الحرمان، فالتزم: ( اسْتَعِينُوا عَلَى إنْجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ ) (أخرجه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني) ، ولربما لسبب آخر منا، وهو تفضيل بعض الأولاد علي البعض الآخر، فيخصه بالرفق واللين والعطاء عن باقي إخوته، فيحمله ذلك الباقين على حسد ذلك الولد، ( قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) (يوسف:8) ، فحملهم ذلك للبحث عن وسيلة للتخلص من يوسف -عليه السلام-، وعلاج ذلك: العدل والتسوية بين الاولاد عملًا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ ) (متفق عليه) ، كما في قصة النعمان بن بشير -رضي الله عنهما-.

فالحاسد لن يغير من قدر، لكنه أساء الأدب مع مولاه؛ لأنه لم يرضَ بتقسيم الله، فلا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا، فإذا تحاسدوا أفسدوا ما بينهم من العلاقات الحميدة، ولقد كان اصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سليمي القلب والصدر بعضهم لبعض، ( وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا ) (الحشر:9) ، وسلامة القلب من أسباب دخول الجنة ( يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (الشعراء:88-89) ، سليم من الشرك والكفر، والحقد والبغض والشحناء.

ودليل ذلك أيضًا: ما رواه أحمد في شأن الرجل الذي أخبر عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في ثلاثة أيام متتالية انه من اهل الجنة، وفي ختام الحديث قال لعبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: "مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ". فَقَالَ عَبْدُ اللهِ هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ" (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

وأخيرًا: هناك من الأمور التي تعين علي علاج الحسد:

منها: تقوى الله والمحافظة على أوامره واجتناب نواهيه، فإنه مَن اتقى الله وقاه الله من كل سوء وآفة، وفي وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس -رضي الله عنهما-: ( احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

ومنها: الدعاء والتضرع إلى الله، ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (غافر:60) ، فبالدعاء يكشف الله ما وقع للعبد، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعيذ من العين إلى أن نزلت: "قل هو الله أحد، والمعوذات: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس"، فأخذها وكان يقرأها أدبار الصلوات، وقبل النوم، وفي أذكار الصباح والمساء.

ومنها: أن نتعاهد أولادنا كذلك بالرقية والدعاء، فلقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرقي الحسن والحسين بهذه الكلمات: ( أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ ) وَكَانَ يَقُولُ: ( كَانَ إِبْرَاهِيمُ أَبِي يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ، وَإِسْحَاقَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

فليحافظ المسلم منا على أوراده وأذكاره، وكذا لأولاده وزوجاته.

ومنها: أن المسلم إذا رأى نعمة من الله على أخيه المسلم، فليبارك عليها، أي يقول: "بسم الله ما شاء الله، اللهم بارك"، فهذه تذهب أي شر يكون في العين، ويذكر أن عامر بن ربيعة مرَّ علي سهل بن حنيف وهو يغتسل وكان سهل جميلًا وجلده حسن، فقال عامر: ما احسن هذا الجلد فمرض سهل مرضا شديدا فعرف بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال لعامر: ( عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟! إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ، فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .

وتأمل أخي الحبيب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟! )؛ إذ سماه بفعله هذا أنه يقتل، فهو سم قاتل يقتل به المسلم إخوانه، فنعوذ بالله من ذلك.

ومِن العلاج النبوي لذلك: أنه إذا أصيب أحد بذلك وعرف الحاسد، فيطلب منه أن يتوضأ ويقوم هو بالاغتسال من ذلك الماء المتساقط من أعضائه، ففي الحديث السابق أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: دَعَا بِمَاءٍ، فَأَمَرَ عَامِرًا أَنْ يَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَرُكْبَتَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ" (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .

والحسد داء عضال انتشر بين المسلمين، وقد حذَّر الله منه، وكذلك رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فليحرص المسلم على نفسه وعلى أولاده وأحبابه من ذاك الداء.

نسأل الله أن يحفظنا وإياكم، وأحبابنا وإخواننا، وجميع المسلمين والمسلمات مِن كل سوءٍ.

الصفحة السابقة