صفات عباد الرحمن (14) الإمامة في الدين (القدوة الصالحة)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الشاهد للصفة من الآيات: قوله -تعالى-: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) (الفرقان:74) .
قال البخاري -رحمه الله-: "أئمة، نقتدي بمَن قبلنا، ويقتدي بنا مَن بعدنا".
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "فاجعلنا أئمة لمَن اقتدى بنا ويأتم، ولا تجعلنا فتنة لمن يضل بنا ويشقى" (مجموع الفتاوى 3/ 91) ، وقال النخعي: "لم يطلبوا الرياسة، بل أن يكونوا قدوة في الدين، وهذا حسن أن يطلب ويسعى له" (تفسير القرطبي وابن عطية) ، وروى مالك في الموطأ: "كان ابن عمر يدعو: اللهم اجعلني من أئمة المتقين".
- هكذا عباد الرحمن، فبعد صلاحهم في أنفسهم، وسعيهم في اصلاح أهليهم وذرياتهم، يعملون على إصلاح سائر الناس، بأن يكونوا قدوة صالحة لهم على جميع المستويات: قال الحسن البصري -رحمه الله-: "مَن استطاع منكم أن يكون إمامًا لأهله، إمامًا لحيه، إمامًا لمن وراء ذلك، فإنه ليس شيء يؤخذ عنك إلا كان لك منه نصيب".
(1) فضل الإمامة في الدين وأثرها في الاستجابة:
- أرشد الله -سبحانه- المؤمنين إلى التأسي والاقتداء بأئمة الدين: قال -تعالى- لأصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) (الممتحنة:4) ، وقال لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (الأنعام:90) ، وقال لعموم المؤمنين: ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (الأحزاب:21) .
- القدوة الصالحة من أعظم أسباب استجابة الغير وامتثاله: ففي حديث الحديبية: "... فَلَمَّا فَرَغَا مِنَ الْكِتَابِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي فِي الْحَرَمِ وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي الْحِلِّ. قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، انْحَرُوا وَاحْلِقُوا ) قَالَ: فَمَا قَامَ أَحَدٌ، قَالَ: ثُمَّ عَادَ بِمِثْلِهَا، فَمَا قَامَ رَجُلٌ، حَتَّى عَادَ بِمِثْلِهَا، فَمَا قَامَ رَجُلٌ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَ: ( يَا أُمَّ سَلَمَةَ، مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ ) قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ دَخَلَهُمْ مَا قَدْ رَأَيْتَ، فَلَا تُكَلِّمَنَّ مِنْهُمْ إِنْسَانًا، وَاعْمِدْ إِلَى هَدْيِكَ حَيْثُ كَانَ فَانْحَرْهُ وَاحْلِقْ، فَلَوْ قَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَا يُكَلِّمُ أَحَدًا حَتَّى أَتَى هَدْيَهُ فَنَحَرَهُ، ثُمَّ جَلَسَ، فَحَلَقَ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْحَرُونَ وَيَحْلِقُونَ... " (رواه البخاري وأبو داود، وأحمد واللفظ له) ، وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: مَا نَسِيتُ قَوْلَهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يُعَاطِيهِمُ اللَّبَنَ، وَقَدْ اغْبَرَّ شَعْرُ صَدْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ( اللَّهُمَّ إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الْآخِرهْ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وعند البخاري ومسلم: فأجابوا: "نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... عَلَى الجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا".
وعن أنس -رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ وَهُوَ يُنَاوِلُ أَصْحَابَهُ وَهُمْ يَبْنُونَ الْمَسْجِدَ: ( أَلَا إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرهْ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ ) (رواه أحمد بسندٍ صحيحٍ) ، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مع عظيم شدته وغلظته أحيانًا، يحبه أصحابه وينصاعون لرأيه؛ لما كان منه مِن اتصاف بالقدوة الصالحة، والأمثلة على ذلك قد امتلأت بها كتب السير والتراجم.
(2) سبيل الوصول إلى إمامة الدين (القدوة الصالحة):
- إمامة الدين (القدوة الحسنة) لا تُنال إلا بعمل وصبر ويقين: قال -تعالى-: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (السجدة:24) .
- أهمية العمل في الوصول إلى إمامة الدين: قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ) (الصف:2) ، ( وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى? مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ) (هود:88) ، وقال ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ) (البقرة:44) ، ( فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ) (الكهف:95) .
- أهمية الاستقامة وتجنب الشبهات للوصول إلى إمامة الدين: ( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ) (هود:88) ، وعن نافع مولى عمر بن الخطاب: "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَهُوَ مُحْرِمٌ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا هَذَا الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ يَا طَلْحَةُ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. إِنَّمَا هُوَ مَدَر، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ أَئِمَّةٌ يَقْتَدِي بِكُمُ النَّاسُ. فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاهِلًا رَأَى هَذَا الثَّوْبَ، لَقَالَ: إِنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ يَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُصَبَّغَةَ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَا تَلْبَسُوا أَيُّهَا الرَّهْطُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ" (رواه مالك في الموطأ، كتاب الحج) .