الفساد (40) الإعلام من البناء إلى الهدم (4-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن المعلوم أن دور الإعلام البحث عن الحقيقة وإظهارها، وتثقيف الناس ثقافيًّا وفكريًّا، ومِن هنا كانت أهمية الإعلام، ولكن ليس من شأن الإعلام نشر ما يسيء إلى الدولة أو المجتمع أو بعض من أفراده، وللأسف لا يخلو الإعلام من فترة لأخرى من توجيه التهم جزافًا، ونشر ما ليس بصحيح أو ما ينبغي التثبت منه قبل نشره فيثير بذلك الفتن.
الإعلام والأمن القومي:
في فترة من الفترات وفي (زحمة الأحداث وارتباك المشهد العام، وحالة الفوضى التي سادت حياة المصريين، وجدنا على شاشات التليفزيونات وصفحات الجرائد والمجلات أسرارًا وقصصًا وحكايات لا يمكن أن يكون لها غير مصدر واحد هو مؤسسات وأجهزة الأمن القومي، وهذا يطرح سؤالًا في غاية الأهمية إذا كانت السرية التامة هي أهم خصائص هذه الأجهزة، فكيف تسللت أوراقها وأسرارها وتسجيلاتها إلى هذه العلانية من خلال الصحف والتلفزيونيات؟! ومتى كان الإعلام قادرًا على الحصول على مثل هذه الأسرار بأساليبه التقليدية المتعارف عليها؟! إن هذا يعني أن مثل هذه الأسرار قد تسربت لأسبابٍ واضحةٍ ورغبة حقيقية في توصيلها للرأي العام، وإن الإعلام لم يكن أكثر من وسيلة)، (ونحن نعلم أن أسماء كثيرة تمارس أعمالًا مزدوجة ما بين الإعلام وأجهزة الأمن، ولكن ذلك كان يتم بطريقة سرية، ولم يصل الأمر إلى مثل هذه الأنشطة المكشوفة التي تعكس خللًا في أداء الأدوار والمسئوليات) (انظر مقالة: "بين الإعلام والأمن القومي" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي الجمعة 16 مايو 2014م، ص 13) .
(في عام 1968م ثارت الدنيا حول عددٍ مِن التقارير التي تسربت من إحدى المؤسسات السيادية التي تختص بقضايا الأمن القومي وهي جهاز المخابرات العامة، ويومها تم الكشف عن أسرار كثيرة حول تجاوزات هذا النظام في عهد رئيسه صلاح نصر، وكان خروج هذه التقارير من دائرة السرية حدثًا كبيرًا اهتزت له أركان كثيرة)، (كان واضحًا أن ظهورها كان يهدف إلى التأثير في مسيرة)، (محاكمة صلاح نصر وعمليات التصفية التي دارت بين القوى السياسية في سلطة القرار في ذلك الوقت)، (وعندما قام الرئيس السادات بثورة التصحيح وأطاح برموز حكم عبد الناصر، ذهب بنفسه وحطم أسوار سجن طرة، معلنًا بداية عصر جديد من الحريات بعيدًا عن السجون والمعتقلات وكتابة التقارير)، (هذه كلها ملابسات أحاطت بدور ومسئوليات أجهزة الأمن القومي، وإذا كان التاريخ قد سجَّل بعض تجاوزات هذه الأجهزة أمام تصفية الحسابات السياسية بين قوى متصارعة أو وقائع حقيقية؛ إلا أن هذه الأجهزة قامت بدور كبير في حماية الوطن ضد المؤامرات الخارجية والداخلية)، (ولا أحد ينكر دور جهاز المخابرات ومعاركه الخارجية ضد الموساد، وأجهزة المخابرات العالمية، والتي حقق فيها إنجازات رهيبة) (المقال السابق بتصرف) .
يقول الكاتب فاروق جويدة: (في فترة قصيرة شاهدنا على الشاشات قصصًا وحكايات وأسرار مكالمات تليفونية بين نشطاء سياسيين، ورموز مختلفة من جميع التيارات والقوى السياسية، وهذه التسجيلات تحمل أكثر من وجه؛ إن فيها أسرارًا تهدد الأمن القومي المصري، وفيها أحاديث ومكالمات تليفونية تدين أسماء كثيرة، بل إنها تصل بها إلى مستنقع الخيانة العظمى حيث التآمر ضد مصالح الوطن)، و(على جانب آخر: فإن هذه التسجيلات لم تراعِ قضايا حقوق الإنسان والحياة الخاصة للمواطن)، (وهنا تصبح المسئولية مزدوجة على من أعطى نفسه حق التسجيل، ومن باعه وسربه إلى وسائل الإعلام، وهنا ينبغي أن تبرئ أجهزة الأمن القومي نفسها، وأنها لم تكن شريكًا في هذه العملية على الإطلاق)، (سوف يقول الزملاء الصحفيون أن أسرار المهنة تمنع سؤالهم عن مصادرهم، وماذا يقول هؤلاء إذا كان القانون يمنع الاعتداء على خصوصيات الناس واقتحام حياتهم الخاصة)، (إن الخلط بين منظومة العمل الإعلامي وأنشطة الأمن القومي يسيء إلى الاثنين معًا، فليس المطلوب من الصحفي أن يكون مخبرًا وليس المطلوب من رجل الأمن القومي أن يتخلى عن سرية نشاطه، ويصبح ما لديه من الأسرار مشاعًا للجميع) (المقال السابق بتصرف) .
الإعلام والتمويل الأجنبي:
جعلت الظروف المالية التي عانت منها الفضائيات المصرية وتراجع حجم الإعلانات (البعض من هذه الفضائيات يبحث عن مصادر تمويل خارجية قد تضر بالأمن القومي المصري. هناك فضائيات فتحت أبوابها للأموال الخارجية، ولا أحد يعلم مصادر تمويلها، وإن كانت أجهزة الدولة على علم بكل ما يجري في هذا القطاع الخطير، وهي في حالة نوم عميق، كان التمويل الخارجي أكبر جريمة في حق الإعلام المصري في السنوات الأخيرة) (راجع مقال: "الفضائيات بين إفلاس الفكر وإفلاس المال" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي الجمعة 10 أبريل 2015 م) .
إساءة الإعلام لدول شقيقة:
من خطايا الإعلام ما يقع أحيانًا من بعض الإعلاميين من الإساءة لبعض الدول الشقيقة؛ فبلا أي مبرر مقبول (يجلس المذيع ويبدأ مسلسل التحليل الإستراتيجي الفنكوشي، ويسخن قليلًا، ويطيح بدولة عربية شقيقة، ويوهم الناس بان لديه معلومات من مصادره الرسمية، وكأنه يتحدث باسم الدولة المصرية، وتنطلق الكلمات من المذيع الجهبذ لتسكن العواصم العربية، مرة في الدار البيضاء، ومرة في بغداد، وأخرى في الرياض أو الخرطوم أو الإمارات أو الكويت، وتتلوث المياه الصافية بين البلدين، ويضحك المذيع الإستراتيجي بعد أن أوقع الدولة في مصيبة، وتذهب الوفود لتقديم الاعتذارات، وكأن البيت بلا صاحب! الأسوأ مِن هذا أن يتحول المذيع إلى رجل دين يفتي ويصدر الأحكام، ويسب العلماء والأولياء والصحابة) (راجع مقال: "كيف يدمر الإعلام شعبًا" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي الجمعة 15 مايو 2015 م) .
أزمة ماسبيرو (مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون):
يعد مبنى ماسبيرو مؤسسة عريقة لعبت دورًا كبيرًا وتاريخيًّا في الثقافة المصرية، بل والعربية؛ تخرجت منه أجيال من الإذاعيين، ولكنه يعاني الآن واقع جديد فرض نفسه حين فرطت الدولة في رعايته، وتركته يواجه ظروفًا صعبة وقاسية.