الفساد (40) الإعلام من البناء إلى الهدم (4-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
لقد خرجت في أكثر من دولة عربية كيانات إعلامية منافسة لماسبيرو بعد ثورة البترول انطلقت هذه الكيانات بإمكانيات مالية ضخمة غيرت من منظومة القواعد والقيم في دنيا الإعلام، وفرضت واقعًا جديدًا سيطر فيه المال على المؤسسات الإعلامية، ولم تعد الرسالة الإعلامية أو الفكرية هي الهدف، وصارت السياسة تحرك كل شيء، وقد استطاع المال استقطاب المواهب الإعلامية، وتسربت حشود من الإعلاميين إلى هذه الكيانات الجديدة الصاعدة أمام إغراء المال، وكان انسحاب هذا العنصر البشري البداية للخسائر التي تعرض لها الإعلام المصري، ومع اتساع دوائر الإعلام العربي في ظل أرصدة ضخمة من الأموال بدأ القطاع الخاص المصري يتجه إلى الأنشطة الإنتاجية التجارية، وسرعان ما توسع فيها واصطحب معه حشودًا من الفنانين، ليقدِّم صورة جديدة من الإنتاج على أسس تجارية، والتي بدأت على استحياء ثم تطورت وأصبحت تجارة رائجة، أخذت معها الإنتاج السينمائي. و(أمام منافسة ضارية ابتداءً بالأموال وانتهاءً بالتكنولوجيا ودرجة التطور، وقبل هذا كله بالقوة البشرية التي صنعها ماسبيرو وهاجرت، بدأ ماسبيرو رحلة التراجع، وأصبح يواجه تحديات ضخمة في الإنتاج والعمالة وحجم الإنفاق لأنه لا يستطيع أن يجاري الكيانات المنافسة التي تملك الملايين ولديها قدرات غير عادية).
لقد أصبح ماسبيرو في انحدار مستمر نتيجة نقص الكفاءة والفساد، وظهور وسائل الاتصال الشعبية، مثل: شبكات التواصل الاجتماعي، والمواقع الإخبارية، والصحف الإلكترونية. و(لم يكن ماسبيرو قادرًا على توفير الأموال التي تمنحه القدرة على المنافسة، ولم يكن قادرًا على استعادة قواه البشرية التي رحلت، وفي نفس الوقت تشكلت كيانات ضخمة استطاعت أن تفرض سيطرتها على سوق الفن والإعلام والتوزيع، وهنا بدأت رحلة ماسبيرو مع الخسائر والديون، وتراكم العناصر البشرية، ولم يكن غريبًا أن يقترض ماسبيرو أكثر من 200 مليون جنيه شهريًّا من بنك الاستثمار القومي لسداد مرتبات العاملين فيه، ومع تكدس العمالة التي زادت على 40 ألف موظف تجاوزت الديون 22 مليار جنيه، ولا أحد يعرف تمامًا قيمتها الآن؛ خاصة إذا أضفنا لها حجم الفوائد) (راجع مقالة: "ماسبيرو بين البيع والإنقاذ" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي الجمعة 9 فبراير 2018 م) .
(إن الأخطر من ذلك: أن الدولة تركت ماسبيرو غارقًا في أزماته وديونه وموظفيه، ولم تحاول أن تمد له يد الإنقاذ، وذهبت في طريق آخر تمامًا لإنشاء مؤسسات إعلامية بديلة دفعت فيها مليارات الجنيهات، ولم تنجح هذه المؤسسات الجديدة في أن تكون البديل المناسب لغياب ماسبيرو) (المقال السابق) .
(إن المشكلة الأكبر في قضية الديون بين بنك الاستثمار واتحاد الإذاعة والتلفزيون: أن مدينة الإنتاج الإعلامي والنايل سات بكل الأصول مرهونة للبنك، ولا يحصل اتحاد الإذاعة والتلفزيون على أي عائدٍ من دخل هذه المنشآت، حيث يتوجه الدخل كله إلى البنك سدادًا للفوائد والديون)، بل (في اتفاق الرهن بين البنك واتحاد الإذاعة والتلفزيون: أن مِن حق البنك بيع هذه الأصول لنفسه أو للغير، وهذا يضع إشكالية كبيرة بين الحكومة والبنك والأصول التي ترغب الدولة في بيعها سدادا للديون).
ويمنع بيع هذه الأصول: أن هذه الأصول (تدخل في نطاق التخصيص وليس الملكية؛ بمعنى أن الاتحاد لا يستطيع بيعها؛ لأنه لا يملكها، فهي فقط مخصصة من الدولة في نطاق نشاط الاتحاد)، (فلا يحق أن يبيعها لكي تتحول إلى عمارات ومنتجعات ومولات وأنشطة تجارية)، كما (أن بيع أصول اتحاد الإذاعة والتلفزيون ليس حلًّا أمام هذا الحجم من الدين، وأمام التزامات مالية ضخمة تتمثل في مرتبات وأرباح ومكافآت). (إن الحل هو أن تعمل هذه المؤسسات، وتنتج وتشارك في تنمية الاقتصاد القومي؛ أما أن تفكر في بيع الأصول، فهذا خطأ فادح ومخاطر جسيمة. إن المؤسسات الصحفية عليها ديون كثيرة فهل تبيع أصولها من المباني والمطابع أم تطور أنشطتها، وتبحث عن مصادر دخل تتجاوز بها محنتها، يضاف لذلك: أن قضية العمالة الزائدة لا بد أن تجد لها الحكومة حلًّا في فتح مجالات للتدريب والتأهيل والخبرات؛ خاصة أن ملايين الشباب المعينين في مؤسسات الدولة وبلا عمل يمثلون عبئًا على الاقتصاد المصري بكل قطاعاته) (راجع في ذلك مقالة: "الإعلام بين الترشيد وتجارة الأراضي" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي الجمعة 22 مايو 2015 م) .
إن علاج ماسبيرو هو: عدم الإبقاء على هذا الكم الكبير من الإذاعات والقنوات التابعة للدولة، فيكفيها العدد القليل منها، واحدة منها رسمية تتحدث باسم الدولة، وواحدة منها إخبارية، والباقي يمكن تمليكه للعاملين فيها عن طريق الأسهم أو تعمل مع شراكة مع القطاع الخاص يتحمل إدارتها؛ فهذا أجدى بكثيرٍ من الإنفاق على قنوات لا تؤدي دورًا، ولا يهتم بها الكثير من المواطنين.
أهمية الصحافة الإقليمية:
لقد (صدرت توصيات مهمة في مؤتمرات عدة، منها: (مستقبل الصحافة الإقليمية) الذي عقد بالإسماعيلية، أو مؤتمر المنيا الشهير حول التحديات ومستقبل الصحافة الإقليمية، وغيرها من بعض الأبحاث والدراسات والكتب التي صدرت عن بعض كليات الإعلام المختلفة، غير أن التوصيات ظلت حبرًا على ورق منذ صدورها وحتى الآن. ورغم الحاجة الماسة في بلادنا لأهمية العمل على تطوير الصحافة الإقليمية خصوصًا مع الحصار الإعلامي وسيطرة الصوت الواحد، ومع ما يواجه الصحف الحكومية والمستقلة في بلادنا من مشاكل مالية وإدارية وفنية)، فالصحافة الإقليمية تمهد (لمستقبل صحافة أكثر تعبيرًا عن أماني وطموحات ومشاكل المواطنين، وتتحدث كثيرًا عن التنمية ومواجهة الفساد، ونشر الأخبار والتحقيقات والحوارات الثرية والموضوعية، والارتقاء بالمستوى المهني والعمل الواقعي للصحافة في بلادنا).