الفساد (40) الإعلام من البناء إلى الهدم (4-4)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
(إن الفرص مواتية وبشكلٍ حقيقيٍ من أجل أن تتبنى المؤسسات والمجالس الإعلامية ونقابة الصحفيين وغيرها من كليات الإعلام، وخبراء وأساتذة الإعلام في مصر ضرورة الاهتمام بالصحف الإقليمية بالمحافظات، ودعمها ماليًّا وفنيًّا وإداريًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا من أجل إعلام مسئول اجتماعيًّا وإنسانيًّا عن صحافة حقيقية تعبِّر عن طموحات أهالينا في المحافظات، ومن أجل تطبيق ديمقراطية اللامركزية من أجل مستقبل أفضل لبلادنا) (انظر: "المسكوت عنه في المحليات" عبد الحميد كمال - من سلسلة: (كتاب سواسية) ط. 2018 م، ص 93 - 95) .
أهمية الإذاعات الإقليمية:
إن (المتابع لمسيرة القنوات المحلية في بلادنا يدرك مدى أهمية تلك القنوات التلفزيونية المحلية باعتبارها نقلة حضارية ونوعية نحو إعلام جماهيري يهتم بأبناء تلك الأقاليم بطول البلاد وعرضها بالمحافظات)؛ ولهذا قامت الحكومة بحماس وهمة بإنشاء 6 قنوات محلية في الثمانينيات وبداية التسعينيات، ولكن (للأسف فإن الواقع من خلال ما يزيد عن ربع قرن من الزمن على إنشاء تلك القنوات كشف عن حجم المشاكل والتحديات التي واجهت تلك القنوات المحلية، وكلها ترجع إلى الإهمال وعدم المتابعة، وانعدام التقييم، وغياب السياسات الواضحة، والأسس والمعايير الصحيحة) (المصدر السابق، ص 98 - 99 بتصرف) .
(إن التطوير الحقيقي لتلك القنوات يبدأ بدراسة موضوعية وتقييم أمين وعلمي حول عناصر القوة والضعف من أجل التطوير، وذلك بمشاركة الخبراء الوطنيين وأعضاء هيئات تدريس كليات الإعلام، ومن المسئولين عن تلك القنوات، ومن لهم خبرات في إدارتها مع مشاركة المجتمعات المحلية)، (وغني عن البيان تأكيد الدستور المصري والتشريعات على حق المواطن بأن يتلقى الخدمات الثقافية وكفالتها بالمجان، مع مراعاة الأقاليم الجغرافية وحق المعرفة والإعلام بشكل يساهم في التنمية) (المصدر السابق، ص 102 بتصرفٍ) .
إن دعم هذه القنوات الإقليمية يعني زيادة تقديم خدمات للمحافظات التابعة لها، ويساهم في الكشف عن مواهب جديدة، ويفتح الأبواب أكثر لمناقشة القضايا الداخلية مما يقوي ويدعم الانتماء الوطني.
من مخاطر وكالات الأنباء العالمية:
وكالات الأنباء العالمية مؤسسات إعلامية الغرض منها تقديم الخدمة الإخبارية المجردة للصحف والإذاعات المرئية والمسموعة (انظر: "وكالات الأنباء: رؤية جديدة"، شفيق محمود عبد اللطيف - سلسلة كتابك رقم: 101 - دار المعارف، ص 55) ، فوكالة الأنباء تتولى استقاء الأخبار من مصادرها الأساسية في مناطق متفرقة من العالم وتوزعها على الصحف والإذاعات المرئية والمسموعة بأجهزتها المختلفة، وتمثِّل الخدمة الإخبارية التي تقدمها وكالات الأنباء لأجهزة الإعلام والصحف 80 % على وجه التقدير، علاوة على التحقيقات والتسجيلات السياسية والصور من موقع الأحداث) (المصدر السابق، ص 10) .
وأهم وكالات الأنباء العالمية: وكالة (أسوشيتدبرس) التي أنشأت عام 1892م بمدينة (إيلينوي) في أمريكا، ووكالة (يونايتديرس) التي تكونت من إدماج وكالتي (أنترناشيونال نيوز سرفيس) و(يونيتد برس أسوسيشن) عام 1958 م، وتتعدى الصحف المشتركة في هذه الوكالة ومحطات الإذاعة السبع آلاف، ووكالة (رويتر)، ووكالة (تاس)، ووكالة (الأنباء الفرنسية).
وهذه الوكالات الخمس تحتكر الخدمات الإعلامية في العالم كله، وذلك عن طريق شبكات هائلة ومتداخلة في أرجاء الكرة الأرضية (المصدر السابق، ص 11)، وهي تغطي 99 % من سكان العالم (المصدر السابق، ص 17) .
ومما يؤخذ على هذه الوكالات:
1- أنها لا تهتم بأخبار بعض المناطق بدرجة كافية، خاصة في إفريقيا ودول العالم الثالث، فتترك في بعض المناطق مراسلين غير مؤهلين، أو مراسلين من أهل تلك المناطق والذين غالبا يخشون سطوة حكوماتهم.
2- تغلب على بعض وكالات الأنباء النزعة الوطنية المتحيزة للبلد الذي تنتمي إليه، ويبدو ذلك واضحًا في الوكالات التي تحصل على إعانات مالية من الدولة.
3- لا تخلو تفسيرات بعض هذه الوكالات من الغموض أو البعد عن الصواب، فقد يكتب كاتب غير متخصص في أبعاد صراع في منطقة، أو يكون الخبر في يد مَن لا يرغب في إظهار الصورة الحقيقية للحدث أو الخبر.
4- قد يفتقد الخبر الصدق نتيجة الرغبة في سرعة إرسال الخبر ولو غير مؤكد؛ لتحقيق السبق في ظل التنافس القوي بين وكالات الأنباء.
5- صعوبة التنسيق بين أخبار هذه الوكالات فهي تبعث سيلًا من البرقيات يصعب مع كثرتها تصنيفها لتشعب اتجاهاتها، مما يربك سير العمل في الأقسام الخارجية بالصحف.
6- لا يخلو الأمر من عيوب في ترجمة الأخبار من لغة إلى أخرى؛ مما قد يتسبب في إحداث أزمات سياسية إذا لم يتم التحري التام للبيانات والتصريحات التي يدلى بها المسئولون.
وقبل ذلك وبعده فمشكلة وكالات الأنباء تتمثل في:
أ- تسلط رأس المال وتحكمه في أسلوب الوكالة.
ب- محاولة الدولة إخضاع سياسة الوكالة لوجهة نظرها بوسائل خفية ومعلنة (راجع المصدر السابق، ص 55 - 58) .
حكم وسائل الإعلام:
يتبيَّن لنا مما ذكرنا وبوضوح: أن وسائل الإعلام سلاح ذو حدين؛ إن استعملت في ما هو خير وصلاح فهي أداة بناء، وإن استعملت فيما هو شر وفساد؛ فهي أداة هدم. والوسائل المسموعة أو المرئية حكم ما يسمع منها أو يرى فيها هو نفسه حكم ما يسمع منها أو يرى؛ فما تعرضه ويحرم سماعه شرعًا هي به محرمة، وما تعرضه ويحرم رؤيته شرعا فهي به محرمة، وما يجوز سماعه أو رؤيته شرعًا فهو جائز. فوسائل الإعلام مهما اختلفت فغيبتها غيبة، ونميمتها نميمة، وبهتانها بهتان، وقذفها قذف، وسبابها سباب، وإثارتها إثارة، فلينظر مَن يطلع عليها على ماذا يرد ومما ينهل؟ وهل هو يقدم على شر أم على خير؟! قال -تعالى-: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (الشمس:9-10) ، والله ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) (غافر:19) .